فصل: تفسير الآية رقم (26)

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: تفسير الطبري المسمى بـ «جامع البيان في تأويل آي القرآن» ***


تفسير الآية رقم ‏[‏25‏]‏

الْقَوْلُ فِي تَأْوِِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى‏:‏ ‏{‏هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَالْهَدْيَ مَعْكُوفًا أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ وَلَوْلَا رِجَالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِسَاءٌ مُؤْمِنَاتٌ لَمْ تَعْلَمُوهُمْ أَنْ تَطَئُوهُمْ فَتُصِيبَكُمْ مِنْهُمْ مَعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ لِيُدْخِلَ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ لَوْ تَزَيَّلُوا لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا‏}‏‏.‏

يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ‏:‏ هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكُونَ مِنْ قُرَيْشٍ هُمُ الَّذِينَ جَحَدُوا تَوْحِيدَ اللَّهِ، وَصَدُّوكُمْ أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ عَنْ دُخُولِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، وَصَدُّوا الْهَدْيَ مَعْكُوفًا‏:‏ يَقُولُ‏:‏ مَحْبُوسًا عَنْ أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ‏.‏ فَمَوْضِعُ ‏"‏أَنْ‏"‏ نُصِبَ لِتَعَلُّقِهِ إِنْ شِئْتَ بِمَعْكُوفٍ، وَإِنْ شِئْتَ بِصَدُّوا‏.‏ وَكَانَ بَعْضُ نَحْوِيِّي الْبَصْرَةِ يَقُولُ فِي ذَلِكَ‏:‏ وَصَدُّوا الْهَدْيَ مَعْكُوفًا كَرَاهِيَةَ أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ‏.‏

وَعَنَى بِقَوْلِهِ تَعَالَى ذِكْرُهُ‏:‏ ‏{‏أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ‏}‏ أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّ نَحْرِهِ، وَذَلِكَ دُخُولُ الْحَرَمِ، وَالْمَوْضِعُ الَّذِي إِذَا صَارَ إِلَيْهِ حَلَّ نَحْرُهُ، وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَاقَ مَعَهُ حِينَ خَرَجَ إِلَى مَكَّةَ فِي سَفْرَتِهِ تِلْكَ سَبْعِينَ بَدَنَةً‏.‏

حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ‏:‏ ثَنَا سَلَمَةُ، قَالَ‏:‏ ثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مُسْلِمٍ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنِ الْمِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ وَمَرْوَانَ بْنِ الْحَكَمِ أَنَّهُمَا حَدَّثَاهُ، قَالَا «خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَامَ الْحُدَيْبِيَةِ يُرِيدُ زِيَارَةَ الْبَيْتِ، لَا يُرِيدُ قِتَالًا وَسَاقَ الْهَدْيَ مَعَهُ سَبْعِينَ بَدَنَةً وَكَانَ النَّاسُ سَبْعَمِائَةِ رَجُلٍ، فَكَانَتْ كُلُّ بَدَنَةٍ عَنْ عَشْرَة»‏.‏

وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي مَعْنَى قَوْلِهِ ‏{‏هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَالْهَدْيَ مَعْكُوفًا أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ‏}‏ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ‏.‏

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ‏:‏

حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ‏:‏ ثَنَا يَزِيدُ، قَالَ‏:‏ ثَنَا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، قَوْلُهُ ‏{‏هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَالْهَدْيَ مَعْكُوفًا‏}‏‏:‏ أَيْ مَحْبُوسًا ‏(‏أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ‏)‏ وَأَقْبَلَ نَبِيُّ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابُهُ مُعْتَمِرِينَ فِي ذِي الْقِعْدَةِ، وَمَعَهُمُ الْهَدْيُ، حَتَّى إِذَا كَانُوا بِالْحُدَيْبِيَةِ، صَدَّهُمُ الْمُشْرِكُونَ، فَصَالَحَهُمْ نَبِيُّ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى أَنْ يَرْجِعَ مِنْ عَامِهِ ذَلِكَ، ثُمَّ يَرْجِعَ مِنَ الْعَامِ الْمُقْبِلِ، فَيَكُونَ بِمَكَّةَ ثَلَاثَ لَيَالٍ، وَلَا يَدْخُلَهَا إِلَّا بِسِلَاحِ الرَّاكِبِ، وَلَا يَخْرُجَ بِأَحَدٍ مِنْ أَهْلِهَا، فَنَحَرُوا الْهَدْيَ، وَحَلَقُوا، وَقَصَّرُوا، حَتَّى إِذَا كَانَ مِنَ الْعَامِ الْمُقْبِلِ، أَقْبَلَ نَبِيُّ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابُهُ حَتَّى دَخَلُوا مَكَّةَ مُعْتَمِرِينَ فِي ذِي الْقِعْدَةِ، فَأَقَامَ بِهَا ثَلَاثَ لَيَالٍ، وَكَانَ الْمُشْرِكُونَ قَدْ فَجَرُوا عَلَيْهِ حِينَ رَدُّوهُ، فَأَقَصَّهُ اللَّهُ مِنْهُمْ فَأَدْخَلَهُ مَكَّةَ فِي ذَلِكَ الشَّهْرِ الَّذِي كَانُوا رَدُّوهُ فِيهِ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ ‏{‏الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ‏}‏‏.‏

حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عُمَارَةَ الْأَسَدَيُّ وَأَحْمَدُ بْنُ مَنْصُورٍ الرَّمَادِيُّ، وَاللَّفْظُ لِابْنِ عُمَارَةَ، قَالَا‏:‏ حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى، قَالَ‏:‏ أَخْبَرَنَا مُوسَى بْنُ عُبَيْدَةَ، عَنْ إِيَاسِ بْنِ سَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ‏:‏ «بَعَثَتْ قُرَيْشٌ سُهَيْلَ بْنَ عَمْرٍو، وَحُوَيْطِبَ بْنَ عَبْدِ الْعُزَّى، وَحَفْصَ بْنَ فُلَانٍ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِيُصَالِحُوهُ فَلَمَّا رَآهُمْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيهِمْ سُهَيْلُ بْنُ عَمْرٍو، قَالَ‏:‏ قَدْ سَهَّلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ أَمْرِكُمْ، الْقَوْمُ مَاتُّونَ إِلَيْكُمْ بِأَرْحَامِهِمْ وَسَائِلُوكُمُ الصُّلْحَ، فَابْعَثُوا الْهَدْيَ، وَأَظْهِرُوا التَّلْبِيَةَ، لَعَلَّ ذَلِكَ يُلَيِّنُ قُلُوبَهُمْ، فَلَبَّوْا مِنْ نَوَاحِي الْعَسْكَرِ حَتَّى ارْتَجَّتْ أَصْوَاتُهُمْ بِالتَّلْبِيَةِ، فَجَاءُوا فَسَأَلُوهُ الصُّلْحَ؛ قَالَ‏:‏ فَبَيْنَمَا النَّاسُ قَدْ تَوَادَعُوا وَفِي الْمُسْلِمِينَ نَاسٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ، قَالَ‏:‏ فَقِيلَ بِهِ أَبُو سُفْيَانَ؛ قَالَ‏:‏ وَإِذَا الْوَادِي يَسِيلُ بِالرِّجَالِ؛ قَالَ‏:‏ قَالَ إِيَاسٌ، قَالَ سَلَمَةُ‏:‏ فَجِئْتُ بِسِتَّةٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ مُتَسَلِّحِينَ أَسُوقُهُمْ، لَا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ نَفْعًا وَلَا ضُرًّا، فَأَتَيْتُ بِهِمُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَلَمْ يَسْلُبْ وَلَمْ يَقْتُلْ وَعَفَا؛ قَالَ‏:‏ فَشَدَدْنَا عَلَى مَنْ فِي أَيْدِي الْمُشْرِكِينَ مِنَّا، فَمَا تَرَكْنَا فِي أَيْدِيهِمْ مِنَّا رَجُلًا إِلَّا اسْتَنْقَذْنَاهُ؛ قَالَ‏:‏ وَغَلَبْنَا عَلَى مَنْ فِي أَيْدِينَا مِنْهُمْ؛ ثُمَّ إِنَّ قُرَيْشًا بَعَثُوا سُهَيْلَ بْنَ عَمْرٍو، وَحُوَيْطِبًا، فَوَلُوا صُلْحَهُمْ، وَبَعَثَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلِيًّا فِي صُلْحِهِ؛ فَكَتَبَ عَلِيٌّ بَيْنَهُمْ‏:‏ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، هَذَا مَا صَالَحَ عَلَيْهِ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قُرَيْشًا، صَالَحَهُمْ عَلَى أَنَّهُ لَا إِهْلَالَ وَلَا امْتِلَالَ، وَعَلَى أَنَّهُ مَنْ قَدِمَ مَكَّةَ مِنْ أَصْحَابِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَاجًّا أَوْ مُعْتَمِرًا، أَوْ يَبْتَغِي مِنْ فَضْلِ اللَّهِ، فَهُوَ آمِنٌ عَلَى دَمِهِ وَمَالِهِ؛ وَمَنْ قَدِمَ الْمَدِينَةَ مِنْ قُرَيْشٍ مُجْتَازًا إِلَى مِصْرَ أَوْ إِلَى الشَّامِ يَبْتَغِي مِنْ فَضْلِ اللَّهِ، فَهُوَ آمِنٌ عَلَى دَمِهِ وَمَالِهِ؛ وَعَلَى أَنَّهُ مَنْ جَاءَ مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ قُرَيْشٍ فَهُوَ إِلَيْهِمْ رَدٌّ، وَمَنْ جَاءَهُمْ مِنْ أَصْحَابِ مُحَمَّدٍ فَهُوَ لَهُمْ‏.‏ فَاشْتَدَّ ذَلِكَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ‏:‏ مَنْ جَاءَهُمْ مِنَّا فَأَبْعَدَهُ اللَّهُ، وَمَنْ جَاءَنَا مِنْهُمْ فَرَدَدْنَاهُ إِلَيْهِمْ فَعَلِمَ اللَّهُ الْإِسْلَامَ مِنْ نَفْسِهِ، جَعَلَ لَهُ مَخْرَجًا‏.‏ فَصَالَحُوهُ عَلَى أَنَّهُ يَعْتَمِرُ فِي عَامٍ قَابِلٍ فِي هَذَا الشَّهْرِ، لَا يَدْخُلُ عَلَيْنَا بِخَيْلٍ وَلَا سِلَاحٍ، إِلَّا مَا يَحْمِلُ الْمُسَافِرُ فِي قِرَابِهِ، يَثْوِي فِينَا ثَلَاثَ لَيَالٍ، وَعَلَى أَنَّ هَذَا الْهَدْيَ حَيْثُمَا حَبَسْنَاهُ مَحِلُّهُ لَا يُقَدَّمُهُ عَلَيْنَا‏.‏ فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ‏:‏ نَحْنُ نَسُوقُهُ وَأَنْتُمْ تَرُدُّونَ وُجُوهَهُ، فَسَارَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَعَ الْهَدْيِ وَسَارَ النَّاسُ‏"‏»‏.‏

حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عُمَارَةَ، قَالَ‏:‏ ثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى، قَالَ‏:‏ أَخْبَرَنَا مُوسَى، قَالَ‏:‏ أَخْبَرَنِي أَبُو مُرَّةَ مَوْلَى أُمِّ هَانِئٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ‏:‏ «كَانَ الْهَدْيُ دُونَ الْجِبَالِ الَّتِي تَطَّلِعُ عَلَى وَادِي الثَّنِيَّةِ عَرَضَ لَهُ الْمُشْرِكُونَ، فَرَدُّوا وُجُوهَهُ؛ قَالَ‏:‏ فَنَحَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْهَدْيَ حِينَ حَبَسُوهُ، وَهِيَ الْحُدَيْبِيَةُ، وَحَلَقَ، وَتَأَسَّى بِهِ أُنَاسٌ حِينَ رَأَوْهُ حَلَقَ، وَتَرَبَّصَ آخَرُونَ، فَقَالُوا‏:‏ لَعَلَّنَا نَطُوفُ بِالْبَيْتِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ‏:‏ رَحِمَ اللَّهُ الْمُحَلِّقِينَ، قِيلَ‏:‏ وَالْمُقَصِّرِينَ، قَالَ‏:‏ رَحِمَ اللَّهُ الْمُحَلِّقِينَ، قِيلَ‏:‏ وَالْمُقَصِّرِينَ، قَالَ‏:‏ وَالْمُقَصِّرِين»‏.‏

حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ‏:‏ ثَنَا الْحَكَمُ بْنُ بَشِيرٍ، قَالَ‏:‏ ثَنَا عُمَرُ بْنُ ذَرٍّ الْهَمْدَانِيُّ، عَنْ مُجَاهِدٍ ‏"‏ «أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اعْتَمَرَ ثَلَاثَ عُمَرٍ، كُلُّهَا فِي ذِي الْقِعْدَةِ، يَرْجِعُ فِي كُلِّهَا إِلَى الْمَدِينَةِ، مِنْهَا الْعُمْرَةُ الَّتِي صُدَّ فِيهَا الْهَدْيُ، فَنَحَرَهُ فِي مَحِلِّهِ، عِنْدَ الشَّجَرَةِ، وَشَارَطُوهُ أَنْ يَأْتِيَ فِي الْعَامِ الْمُقْبِلِ مُعْتَمِرًا، فَيَدْخُلَ مَكَّةَ، فَيَطُوفَ بِالْبَيْتِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، ثُمَّ يَخْرُجَ، وَلَا يَحْبِسُونَ عَنْهُ أَحَدًا قِدَمَ مَعَهُ، وَلَا يَخْرُجُ مِنْ مَكَّةَ بِأَحَدٍ كَانَ فِيهَا قَبْلَ قُدُومِهِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ؛ فَلَمَّا كَانَ مِنَ الْعَامِ الْمُقْبِلِ دَخَلَ مَكَّةَ، فَأَقَامَ بِهَا ثَلَاثًا يَطُوفُ بِالْبَيْتِ؛ فَلَمَّا كَانَ الْيَوْمُ الثَّالِثُ قَرِيبًا مِنَ الظُّهْرِ، أَرْسَلُوا إِلَيْهِ‏:‏ إِنَّ قَوَّمَكَ قَدْ آذَاهُمْ مُقَامُكَ، فَنُودِيَ فِي النَّاسِ‏:‏ لَا تَغْرُبُ الشَّمْسُ وَفِيهَا أَحَدٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ قَدِمَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم»‏.‏

حَدَّثَنَا ابْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى، قَالَ‏:‏ ثَنَا ابْنُ ثَوْرٍ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنِ الْمِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ، قَالَ‏:‏ خَرَجَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ زَمَنَ الْحُدَيْبِيَةِ فِي بِضْعَ عَشْرَةَ مِائَةً مِنْ أَصْحَابِهِ، حَتَّى إِذَا كَانُوا بِذِي الْحُلَيْفَةِ قَلَّدَ الْهَدْيَ وَأَشْعَرَهُ، وَأَحْرَمَ بِالْعُمْرَةِ، وَبَعَثَ بَيْنَ يَدَيْهِ عَيْنًا لَهُ مِنْ خُزَاعَةَ يُخْبِرُهُ عَنْ قُرَيْشٍ، وَسَارَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، حَتَّى إِذَا كَانَ بِغَدِيرِ الْأَشْطَاطِ قَرِيبًا مِنْ قُعَيْقِعَانَ، أَتَاهُ عَيْنُهُ الْخُزَاعِيُّ، فَقَالَ‏.‏ إِنِّي تَرَكْتُ كَعْبَ بْنَ لُؤَيٍّ وَعَامِرَ بْنَ لُؤَيٍّ قَدْ جَمَعُوا لَكَ الْأَحَابِيشَ، وَجَمَعُوا لَك جُمُوعًا، وَهُمْ مُقَاتِلُوكَ وَصَادُّوكَ عَنِ الْبَيْتِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ‏:‏ أَشِيرُوا عَلَيَّ، أَتَرَوْنَ أَنْ نَمِيلَ عَلَى ذَرَارِيِّ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَعَانُوهُمْ فَنُصِيبَهُمْ، فَإِنْ قَعَدُوا قَعَدُوا مَوْتُورِينَ مَحْزُونِينَ وَإِنْ لَحُّوا تَكُنْ عُنُقًا قَطَعَهَا اللَّهُ‏؟‏ أَمْ تَرَوْنَ أَنَّا نَؤُمُّ الْبَيْتَ، فَمَنْ صَدَّنَا عَنْهُ قَاتَلْنَاهُ‏؟‏ ‏"‏فَقَامَ أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَقَالَ‏:‏ يَا رَسُولَ اللَّهِ‏:‏ إِنَّا لَمْ نَأْتِ لِقِتَالِ أَحَدٍ، وَلَكِنْ مَنْ حَالَ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْبَيْتِ قَاتَلْنَاهُ؛ فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ‏:‏ فَرُوحُوا إذًا؛ وَكَانَ أَبُو هُرَيْرَةَ يَقُولُ‏:‏ مَا رَأَيْتُ أَحَدًا قَطُّ كَانَ أَكْثَرَ مُشَاوَرَةً لِأَصْحَابِهِ مِنَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَرَاحُوا حَتَّى إِذَا كَانُوا بِبَعْضِ الطَّرِيقِ، قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ‏:‏ إِنَّ خَالِدَ بْنَ الْوَلِيدِ بِالْغَمِيمِ فِي خَيْلٍ لِقُرَيْشٍ طَلِيعَةً، فَخُذُوا ذَاتَ الْيَمِينِ، فَوَاللَّهِ مَا شَعَرَ بِهِمْ خَالِدٌ حَتَّى إِذَا هُوَ بِقَتَرَةِ الْجَيْشِ، فَانْطَلَقَ يَرْكُضُ نَذِيرًا لِقُرَيْشٍ، وَسَارَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، حَتَّى إِذَا كَانَ بِالثَّنِيَّةِ الَّتِي يَهْبِطُ عَلَيْهِمْ مِنْهَا، بَرَكَتْ بِهِ رَاحِلَتُهُ؛ فَقَالَ النَّاسُ‏:‏ حَلْ حَلْ، فَقَالَ‏:‏ مَا حَلْ‏؟‏ فَقَالُوا‏:‏ خَلَأَتِ الْقَصْوَاءُ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ‏:‏ مَا خَلَأَتْ وَمَا ذَاكَ لَهَا بِخُلُقٍ، وَلَكِنَّهَا حَبَسَهَا حَابِسُ الْفِيلِ، ثُمَّ قَالَ‏:‏ وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَا يَسْأَلُونِي خُطَّةً يُعَظِّمُونَ بِهَا حُرُمَاتِ اللَّهِ إِلَّا أَعْطَيْتُهُمْ إِيَّاهَا، ثُمَّ زُجِرَتْ فَوَثَبَتْ فَعَدَلَ عَنْهُمْ حَتَّى نَزَلَ بِأَقْصَى الْحُدَيْبِيَةِ عَلَى ثَمَدٍ قَلِيلِ الْمَاءِ، إِنَّمَا يَتَبَرَّضُهُ النَّاس تَبَرُّضًا، فَلَمْ يَلْبَثِ النَّاسُ أَنْ نَزَحُوهُ، فَشُكِيَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْعَطَشُ، فَنَزَعَ سَهْمًا مِنْ كِنَانَتِهِ، ثُمَّ أَمَرَهُمْ أَنْ يَجْعَلُوهُ فِيهِ، فَوَاللَّهِ مَا زَالَ يَجِيشُ لَهُمْ بِالرِّيِّ حَتَّى صَدَرُوا عَنْهُ، فَبَيْنَمَا هُمْ كَذَلِكَ جَاءَ بُدَيْلُ بْنُ وَرْقَاءَ الْخُزَاعِيُّ فِي نَفَرٍ مَنْ خُزَاعَةَ، وَكَانُوا عَيْبَةَ نُصْحِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ أَهْلِ تِهَامَةَ، فَقَالَ‏:‏ إِنِّي تَرَكْتُ كَعْبَ بْنَ لُؤَيٍّ، وَعَامِرَ بْنَ لُؤَيٍّ، قَدْ نَزَلُوا أَعْدَادَ مِيَاهِ الْحُدَيْبِيَةِ مَعَهُمُ الْعُوذُ الْمَطَافِيلُ، وَهُمْ مُقَاتِلُوكَ وَصَادُّوكَ عَنِ الْبَيْتِ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ‏:‏ ‏"‏إِنَّا لَمْ نَأْتِ لِقِتَالِ أَحَدٍ، وَلَكِنَّا جِئْنَا مُعْتَمِرِينَ، وَإِنَّ قُرَيْشًا قَدْ نَهَكَتْهُمُ الْحَرْبُ، وَأَضَرَّتْ بِهِمْ، فَإِنْ شَاءُوا مَادَدْنَاهُمْ مُدَّةً، وَيُخَلُّوا بَيْنِي وَبَيْنَ النَّاسِ، فَإِنْ أَظْهَرْ فَإِنْ شَاءُوا أَنْ يَدْخُلُوا فِيمَا دَخَلَ فِيهِ النَّاسُ فَعَلُوا، وَإِلَّا فَقَدْ جَمُّوا وَإِنْ هُمْ أَبَوْا فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لِأُقَاتِلَنَّهُمْ عَلَى أَمْرِي هَذَا حَتَّى تَنْفَرِدَ سَالِفَتِي، أَوْ لَيُنْفِذَنَّ اللَّهُ أَمْرَهُ فَقَالَ بُدَيْلٌ‏:‏ سَنُبَلِّغُهُمْ مَا تَقُولُ، فَانْطَلَقَ حَتَّى أَتَى قُرَيْشًا، فَقَالَ‏:‏ إِنَّا جِئْنَاكُمْ مِنْ عِنْدِ هَذَا الرَّجُلِ، وَسَمِعْنَاهُ يَقُولُ قَوْلًا فَإِنْ شِئْتُمْ أَنْ نَعْرِضَهُ عَلَيْكُمْ فَعَلْنَا؛ قَالَ سُفَهَاؤُهُمْ‏:‏ لَا حَاجَةَ لَنَا فِي أَنْ تَحَدِّثَنَا عَنْهُ بِشَيْءٍ، وَقَالَ ذَوُو الرَّأْيِ مِنْهُمْ‏:‏ هَاتِ مَا سَمِعْتَهُ؛ يَقُولُ‏:‏ قَالَ سَمِعْتُهُ يَقُولُ كَذَا وَكَذَا، فَحَدَّثَهُمْ بِمَا قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَامَ عُرْوَةُ بْنُ مَسْعُودٍ الثَّقَفِيُّ، فَقَالَ‏:‏ أَيْ قَوْمِ، أَلَسْتُمْ بِالْوَلَدِ‏؟‏ قَالُوا‏:‏ بَلَى؛ قَالَ‏:‏ أَوَلَسْتُ بِالْوَالِدِ‏؟‏ قَالُوا‏:‏ بَلَى، قَالَ‏:‏ فَهَلْ أَنْتُمْ تَتَّهِمُونِي‏؟‏ قَالُوا‏:‏ لَا قَالَ‏:‏ أَلَسْتُمْ تَعْلَمُونَ أَنِّي اسْتَنْفَرْتُ أَهْلَ عُكَاظٍ، فَلَمَّا بَلَّحُوا عَلَيَّ جِئْتُكُمْ بِأَهْلِي وَوَلَدِي وَمَنْ أَطَاعَنِي‏؟‏ قَالُوا‏:‏ بَلَى؛ قَالَ‏:‏ فَإِنَّ هَذَا الرَّجُلَ قَدْ عَرَضَ عَلَيْكُمْ خُطَّةَ رُشْدٍ فَاقْبَلُوهَا، وَدَعُونِي آتِهِ؛ فَقَالُوا‏:‏ ائْتِهِ، فَأَتَاهُ، فَجَعَلَ يُكَلِّمُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَحْوًا مِنْ مَقَالَتِهِ لِبُدَيْلٍ؛ فَقَالَ عُرْوَةُ عِنْدَ ذَلِكَ‏:‏ أَيْ مُحَمَّدُ، أَرَأَيْتَ إِنِ اسْتَأْصَلْتَ قَوْمَكَ، فَهَلْ سَمِعْتَ بِأَحَدٍ مِنَ الْعَرَبِ اجْتَاحَ أَصْلَهُ قَبْلَكَ‏؟‏ وَإِنْ تَكُنِ الْأُخْرَى فَوَاللَّهِ إِنِّي لَأَرَى وُجُوهًا وَأَوْبَاشًا مِنَ النَّاسِ خَلِيقًا أَنْ يَفِرُّوا وَيَدَعُوكَ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ‏:‏ امْصُصْ بَظْرَ اللَّاتِ، وَاللَّاتُ‏:‏ طَاغِيَةُ ثَقِيفٍ الَّذِي كَانُوا يَعْبُدُونَ، أَنَحْنُ نَفِرُّ وَنَدَعُهُ‏؟‏ فَقَالَ‏:‏ مَنْ هَذَا‏؟‏ فَقَالُوا‏:‏ أَبُو بَكْرٍ، فَقَالَ‏:‏ أَمَا وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْلَا يَدٌ كَانَتْ لَكَ عِنْدِي لَمْ أَجْزِكَ بِهَا لَأَجَبْتُكَ؛ وَجَعَلَ يُكَلِّمُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَكُلَّمَا كَلَّمَهُ أَخَذَ بِلِحْيَتِهِ، وَالْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ قَائِمٌ عَلَى رَأْسِ النَّبِيِّ وَمَعَهُ السَّيْفُ، وَعَلَيْهِ الْمِغْفَرُ؛ فَكُلَّمَا أَهْوَى عُرْوَةُ إِلَى لِحْيَةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ضَرَبَ يَدَهُ بِنَصْلِ السَّيْفِ، وَقَالَ‏:‏ أَخِّرْ يَدَكَ عَنْ لِحْيَتِهِ، فَرَفَعَ رَأْسَهُ فَقَالَ‏:‏ مَنْ هَذَا‏؟‏ قَالُوا‏:‏ الْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ، قَالَ‏:‏ أَيْ غُدَرُ أَوَلَسْتُ أَسْعَى فِي غَدْرَتِكَ‏.‏ وَكَانَ الْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ صَحِبَ قَوْمًا فِي الْجَاهِلِيَّةِ، فَقَتَلَهُمْ وَأَخَذَ أَمْوَالَهُمْ، ثُمَّ جَاءَ فَأَسْلَمَ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ‏:‏ أَمَّا الْإِسْلَامُ فَقَدْ قَبِلْنَاهُ، وَأَمَّا الْمَالُ فَإِنَّهُ مَالُ غَدْرٍ لَا حَاجَةَ لَنَا فِيهِ‏.‏ وَإِنَّ عُرْوَةَ جَعَلَ يَرْمُقُ أَصْحَابَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِعَيْنِهِ، فَوَاللَّهِ إِنْ تَنَخَّمَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نُخَامَةً إِلَّا وَقَعَتْ فِي كَفِّ رَجُلٍ مِنْهُمْ، فَدَلَّكَ بِهَا وَجْهَهُ وَجِلْدَهُ، وَإِذَا أَمَرَهُمْ ابْتَدَرُوا أَمْرَهُ، وَإِذَا تَوَضَّأَ كَادُوا يَقْتَتِلُونَ عَلَى وَضَوْئِهِ، وَإِذَا تَكَلَّمَ خَفَضُوا أَصْوَاتَهُمْ عِنْدَهُ، وَمَا يُحِدُّونَ النَّظَرَ إِلَيْهِ تَعْظِيمًا لَهُ، فَرَجَعَ عُرْوَةُ إِلَى أَصْحَابِهِ، فَقَالَ أَيْ قَوْمِ، وَاللَّهِ لَقَدْ وَفَدْتُ عَلَى الْمُلُوكِ، وَوَفَدْتُ عَلَى قَيْصَرَ وَكِسْرَى وَالنَّجَاشِيِّ، وَاللَّهِ مَا رَأَيْتُ مَلِكًا قَطُّ يُعَظِّمُهُ أَصْحَابُهُ مَا يُعَظِّمُ أَصْحَابُ مُحَمَّدٍ مُحَمَّدًا؛ وَاللَّهِ إِنْ تَنَخَّمَ نُخَامَةً إِلَّا وَقَعَتْ فِي كَفِّ رَجُلٍ مِنْهُمْ فَدَلَّكَ بِهَا وَجْهَهُ وَجِلْدَهُ، وَإِذَا أَمَرَهُمُ ابْتَدَرُوا أَمْرَهُ، وَإِذَا تَوَضَّأَ كَادُوا يَقْتَتِلُونَ عَلَى وَضَوْئِهِ، وَإِذَا تَكَلَّمُوا عِنْدَهُ خَفُّوا أَصْوَاتَهُمْ، وَمَا يُحِدُّونَ النَّظَرَ إِلَيْهِ تَعْظِيمًا لَهُ، وَإِنَّهُ قَدْ عَرَضَ عَلَيْكُمْ خُطَّةَ رُشْدٍ فَاقْبَلُوهَا‏.‏

فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ كِنَانَةَ‏:‏ دَعُونِي آتِهِ، فَقَالُوا‏:‏ ائْتِهِ؛ فَلَمَّا أَشْرَفَ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابِهِ، قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ‏:‏ ‏"‏هَذَا فُلَانٌ، وَهُوَ مِنْ قَوْمٍ يُعَظِّمُونَ الْبُدْنَ، فَابْعَثُوهَا لَهُ، فَبُعِثَتْ لَهُ، وَاسْتَقْبَلَهُ قَوْمٌ يُلَبُّونَ؛ فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ قَالَ‏:‏ سُبْحَانَ اللَّهِ، مَا يَنْبَغِي لِهَؤُلَاءِ أَنْ يُصَدُّوا عَنِ الْبَيْتِ، فَقَامَ رَجُلٌ مِنْهُمْ يُقَالُ لَهُ مِكْرَزُ بْنُ حَفْصٍ، فَقَالَ‏:‏ دَعُونِي آتِهِ، فَقَالُوا ائْتِهِ، فَلَمَّا أَشْرَفَ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابِهِ، قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ‏:‏ هَذَا مِكْرِزُ بْنُ حَفْصٍ، وَهُوَ رَجُلٌ فَاجِرٌ؛ فَجَاءَ فَجَعَلَ يُكَلِّمُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَبَيْنَمَا هُوَ يُكَلِّمُهُ، إِذْ جَاءَ سُهَيْلُ بْنُ عَمْرٍو، قَالَ أَيُّوبُ، قَالَ عِكْرِمَةُ‏:‏ إِنَّهُ لَمَّا جَاءَ سُهَيْلٌ، قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ‏:‏ قَدْ سَهَّلَ لَكُمْ مِنْ أَمْرِكُمْ‏.‏ قَالَ الزُّهْرِيُّ‏.‏ فَجَاءَ سُهَيْلُ بْنُ عَمْرٍو، فَقَالَ‏:‏ هَاتِ نَكْتُبُ بَيْنَنَا وَبَيْنَكَ كِتَابًا؛ فَدَعَا الْكَاتِبَ فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ‏:‏ اكْتُبْ‏:‏ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، فَقَالَ‏:‏ مَا الرَّحْمَنُ‏؟‏ فَوَاللَّهِ مَا أَدْرِي مَا هُوَ، وَلَكِنِ اكْتُبْ‏:‏ بِاسْمِكَ اللَّهُمَّ كَمَا كُنْتَ تَكْتُبُ، فَقَالَ الْمُسْلِمُونَ‏:‏ وَاللَّهِ لَا نَكْتُبُهَا إِلَّا بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ‏:‏ اكْتُبْ‏:‏ بِاسْمِكَ اللَّهُمَّ ثُمَّ قَالَ‏:‏ اكْتُبْ‏:‏ هَذَا مَا قَاضَى عَلَيْهِ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ، فَقَالَ سُهَيْلٌ‏:‏ وَاللَّهِ لَوْ كُنَّا نَعْلَمُ أَنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ مَا صَدَدْنَاكَ عَنِ الْبَيْتِ، وَلَا قَاتَلْنَاكَ، وَلَكِنِ اكْتُبْ‏:‏ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ‏:‏ وَاللَّهِ إِنِّي لَرَسُولُ اللَّهِ وَإِنْ كَذَّبْتُمُونِي، وَلَكِنِ اكْتُبْ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ؛ قَالَ الزُّهْرِيُّ‏:‏ وَذَلِكَ لِقَوْلِهِ‏:‏ وَاللَّهِ لَا يَسْأَلُونِي خُطَّةً يُعَظِّمُونَ بِهَا حُرُمَاتِ اللَّهِ إِلَّا أَعْطَيْتُهُمْ إِيَّاهَا؛ فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ‏:‏ عَلَى أَنْ تُخَلُّوا بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْبَيْتِ، فَنَطُوفَ بِهِ؛ قَالَ سُهَيْلٌ‏:‏ وَاللَّهِ لَا تَتَحَدَّثُ الْعَرَبُ أَنَّا أُخِذْنَا ضَغْطَةً، وَلَكِنْ لَكَ مِنَ الْعَامِ الْمُقْبِلِ، فَكَتَبَ فَقَالَ سُهَيْلٌ، وَعَلَى أَنَّهُ لَا يَأْتِيكَ مِنَّا رَجُلٌ إِنْ كَانَ عَلَى دِينِك إِلَّا رَدَدْتَهُ إِلَيْنَا، فَقَالَ الْمُسْلِمُونَ‏:‏ سُبْحَانَ اللَّهِ

، وَكَيْفَ يُرَدُّ إِلَى الْمُشْرِكِينَ وَقَدْ جَاءَ مُسْلِمًا‏؟‏ فَبَيْنَمَا هُمْ كَذَلِكَ، إِذَا جَاءَ أَبُو جَنْدَلِ بْنُ سُهَيْلِ بْنِ عَمْرٍو يَرْسُفُ فِي قُيُودِهِ، قَدْ خَرَجَ مِنْ أَسْفَلِ مَكَّةَ حَتَّى رَمَى بِنَفْسِهِ بَيْنَ أَظْهُرِ الْمُسْلِمِينَ، فَقَالَ سُهَيْلٌ‏:‏ هَذَا يَا مُحَمَّدُ أَوَّلُ مَنْ أُقَاضِيكَ عَلَيْهِ أَنْ تَرُدَّهُ إِلَيْنَا، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ‏:‏ فَأَجِرْهُ لِي، فَقَالَ‏:‏ مَا أَنَا بِمُجِيرِهِ لَكَ، قَالَ‏:‏ بَلَى فَافْعَلْ، قَالَ‏:‏ مَا أَنَا بِفَاعِلٍ؛ قَالَ صَاحِبُهُ مِكْرَزٌ وَسُهَيْلٌ إِلَى جَنْبِهِ‏:‏ قَدْ أَجَرْنَاهُ لَكَ؛ فَقَالَ أَبُو جَنْدَلٍ أَيْ مَعَاشِرَ الْمُسْلِمِينَ، أَأُرَدُّ إِلَى الْمُشْرِكِينَ وَقَدْ جِئْتُ مُسْلِمًا‏؟‏ أَلَا تَرَوْنَ مَا قَدْ لَقِيتُ‏؟‏ كَانَ قَدْ عُذِّبَ عَذَابًا شَدِيدًا فِي اللَّهِ‏.‏

قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ‏:‏ وَاللَّهِ مَا شَكَكْتُ مُنْذُ أَسْلَمْتُ إِلَّا يَوْمئِذٍ، فَأَتَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقُلْتُ‏:‏ أَلَسْنَا عَلَى الْحَقِّ وَعَدُوُّنَا عَلَى الْبَاطِلِ‏؟‏ قَالَ‏:‏ بَلَى، قُلْتُ‏:‏ فَلِمَ نُعْطَى الدَّنِيَّةَ فِي دِينِنَا إِذًا‏؟‏ قَالَ‏:‏ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ، وَلَسْتُ أَعْصِيهِ وَهُوَ نَاصِرِي، قُلْتُ‏:‏ أَلَسْتَ تُحَدِّثُنَا أَنَّا سَنَأْتِي الْبَيْتَ، فَنَطُوفُ بِهِ‏؟‏ قَالَ‏:‏ بَلَى، قَالَ‏:‏ فَأَخْبَرْتُكَ أَنَّكَ تَأْتِيهِ الْعَامَ‏؟‏ قُلْتُ‏:‏ لَا، قَالَ‏:‏ فإنِّكَ آتِيهِ وَمُتَطَوِّفٌ بِهِ؛ قَالَ‏:‏ ثُمَّ أَتَيْتُ أَبَا بَكْرٍ، فَقُلْتُ‏:‏ أَلَيْسَ هَذَا نَبِيَّ اللَّهِ حَقًّا‏؟‏ قَالَ‏:‏ بَلَى، قُلْتُ‏:‏ أَلَسْنَا عَلَى الْحَقِّ وَعَدُوُّنَا عَلَى الْبَاطِلِ‏؟‏ قَالَ‏:‏ بَلَى، قُلْتُ‏:‏ فَلِمَ نُعْطَى الدَّنِيَّةَ فِي دِينِنَا إِذًا‏؟‏ قَالَ أَيُّهَا الرَّجُلُ إِنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ، وَلَيْسَ يَعْصِي رَبَّهُ، فَاسْتَمْسِكْ بِغَرْزِهِ حَتَّى تَمُوتَ، فَوَاللَّهِ إِنَّهُ لَعَلَى الْحَقِّ؛ قُلْتُ‏:‏ أَوَلَيْسَ كَانَ يُحَدِّثُنَا أَنَّا سَنَأْتِي الْبَيْتَ وَنَطُوفُ بِهِ‏؟‏ قَالَ‏:‏ بَلَى، أَفَأَخْبَرَكَ أَنَّكَ تَأْتِيهِ الْعَامَ‏؟‏ قَالَ‏:‏ لَا قَالَ‏:‏ فَإِنَّكَ آتِيهِ وَمُتَطَوِّفٌ بِهِ‏.‏ قَالَ الزُّهْرِيُّ‏:‏ قَالَ عُمَرُ‏:‏ فَعَمِلْتُ لِذَلِكَ أَعْمَالًا فَلَمَّا فَرَغَ مِنْ قِصَّتِهِ، قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِأَصْحَابِهِ‏:‏ قُومُوا فَانْحَرُوا ثُمَّ احْلِقُوا، قَالَ‏:‏ فَوَاللَّهِ مَا قَامَ مِنَّا رَجُلٌ حَتَّى قَالَ ذَلِكَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ؛ فَلَمَّا لَمْ يَقُمْ مِنْهُمْ أَحَدٌ، قَامَ فَدَخَلَ عَلَىأُمِّ سَلَمَةَ، فَذَكَرَ لَهَا مَا لَقِيَ مِنَ النَّاسِ، فَقَالَتْأُمُّ سَلَمَةَ‏:‏ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَتُحِبُّ ذَلِكَ‏؟‏ اخْرُجْ، ثُمَّ لَا تُكَلِّمْ أَحَدًا مِنْهُمْ كَلِمَةً حَتَّى تَنْحَرَ بُدُنَكَ، وَتَدْعُوَ حَالِقَكَ فَيَحْلِقَكَ، فَقَامَ فَخَرَجَ فَلَمْ يُكَلِّمْ أَحَدًا مِنْهُمْ كَلِمَةً، حَتَّى نَحَرَ بُدُنَهُ، وَدَعَا حَالِقَهُ فَحَلَقَهُ؛ فَلَمَّا رَأَوْا ذَلِكَ قَامُوا فَنَحَرُوا، وَجَعَلَ بَعْضُهُمْ يَحْلِقُ بَعْضًا، حَتَّى كَادَ بَعْضُهُمْ يَقْتُلُ بَعْضًا غَمًّا؛ ثُمَّ جَاءَهُ نِسْوَةٌ مُؤْمِنَاتٌ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ عَلَيْهِ ‏{‏يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ‏}‏ حَتَّى بَلَغَ ‏{‏بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ‏}‏ قَالَ‏:‏ فَطَلَّقَ عُمَرُ يَوْمَئِذٍ امْرَأَتَيْنِ كَانَتَا لَهُ فِي الشِّرْكِ؛ قَالَ‏:‏ فَنَهَاهُمْ أَنْ يَرُدُّوهُنَّ، وَأَمَرَهُمْ أَنْ يَرُدُّوا الصَّدَاقَ حِينَئِذٍ؛ قَالَ رَجُلٌ لِلزُّهْرِيِّ‏:‏ أَمِنْ أَجْلِ الْفُرُوجِ‏؟‏ قَالَ‏:‏ نَعَمْ، فَتَزَوَّجَ إِحْدَاهُمَا مُعَاوِيَةُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ، وَالْأُخْرَى صَفْوَانُ بْنُ أُمَيَّةَ، ثُمَّ رَجَعَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى الْمَدِينَةِ، فَجَاءَهُ أَبُو بَصِيرٍ، رَجُلٌ مِنْ قُرَيْشٍ، وَهُوَ مُسْلِمٌ، فَأُرْسِلَ فِي طَلَبِهِ رَجُلَانِ، فَقَالَا‏:‏ الْعَهْدُ الَّذِي جَعَلْتَ لَنَا، فَدَفَعَهُ إِلَى الرَّجُلَيْنِ، فَخَرَجَا بِهِ، حَتَّى إِذَا بَلَغَا ذَا الْحُلَيْفَةِ، فَنَزَلُوا يَأْكُلُونَ مِنْ تَمْرٍ لَهُمْ، فَقَالَ أَبُو بَصِيرٍ لِأَحَدِ الرَّجُلَيْنِ‏:‏ وَاللَّهِ إِنِّي لَأَرَى سَيْفَكَ هَذَا يَا فُلَانُ جَيِّدًا، فَاسْتَلَّهُ الْآخَرُ فَقَالَ‏:‏ وَاللَّهِ إِنَّهُ لَجَيِّدٌ، لَقَدْ جَرَّبْتُ بِهِ وَجَرَّبْتُ؛ فَقَالَ أَبُو بَصِيرٍ‏:‏ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْهِ فَأَمْكَنَهُ مِنْهُ، فَضَرَبَهُ بِهِ حَتَّى بَرَدَ وَفَرَّ الْآخَرُ حَتَّى أَتَى الْمَدِينَةَ، فَدَخَلَ الْمَسْجِدَ يَعْدُو، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ‏:‏ رَأَى هَذَا ذُعْرًا، فَقَالَ‏:‏ وَاللَّهِ قَتَلَ صَاحِبِي، وَإِنِّي وَاللَّهِ لَمَقْتُولٌ، فَجَاءَ أَبُو بَصِيرٍ فَقَالَ‏:‏ قَدْ وَاللَّهِ أَوْفَى اللَّهُ ذِمَّتَكَ وَرَدَدْتَنِي إِلَيْهِمْ، ثُمَّ أَغَاثَنِي اللَّهُ مِنْهُمْ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ‏:‏ وَيْلُ أُمِّهِ مُسَعِّرُ حَرْبٍ لَوْ كَانَ لَهُ أَحَدٌ؛ فَلَمَّا سَمِعَ عَرَفَ أَنَّهُ سَيَرُدُّهُ إِلَيْهِمْ؛ قَالَ‏:‏ فَخَرَجَ حَتَّى أَتَى سَيْفَ الْبَحْرِ، وَتَفَلَّتَ أَبُو جَنْدَلِ بْنُ سُهَيْلِ بْنِ عَمْرٍو، فَلَحِقَ بِأَبِي بَصِيرٍ، فَجَعَلَ لَا يَخْرُجُ مِنْ قُرَيْشٍ رَجُلٌ قَدْ أَسْلَمَ إِلَّا لَحِقَ بِأَبِي بَصِيرٍ، حَتَّى اجْتَمَعَتْ مِنْهُمْ عِصَابَةٌ، فَوَاللَّهِ مَا يَسْمَعُونَ بِعِيرٍ خَرَجَتْ لِقُرَيْشٍ إِلَى الشَّأْمِ إِلَّا اعْتَرَضُوا لَهُمْ فَقَتَلُوهُمْ، وَأَخَذُوا أَمْوَالَهُمْ، فَأَرْسَلَتْ قُرَيْشٌ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُنَاشِدُونَهُ اللَّهَ وَالرَّحِمَ لَمَّا أَرْسَلَ إِلَيْهِمْ، فَمَنْ أَتَاهُ فَهُوَ آمِنٌ فَأَنْزَلَ اللَّهُ ‏{‏وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ‏}‏ حَتَّى بَلَغَ ‏{‏حَمِيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ‏}‏ وَكَانَتْ حَمِيَّتُهُمْ أَنَّهُمْ لَمْ يُقِرُّوا أَنَّهُ نَبِيٌّ، وَلَمْ يُقِرُّوا بِبَسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، وَحَالُوا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْبَيْتِ‏"‏‏.‏

حَدَّثَنِي يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ‏:‏ ثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، قَالَ‏:‏ ثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ، قَالَ‏:‏ أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنِ الْمِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ، وَمَرْوَانَ بْنِ الْحَكَمِ، قَالَا خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ زَمَنَ الْحُدَيْبِيَةِ فِي بِضْعَ عَشْرَةَ مِائَةً، ثُمَّ ذَكَرَ نَحْوَهُ، إِلَّا أَنَّهُ قَالَ فِي حَدِيثِهِ، قَالَ الزُّهْرِيُّ، فَحَدَّثَنِي الْقَاسِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ، أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ‏:‏ فَأَتَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقُلْتُ‏:‏ أَلَسْتَ بِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ‏؟‏ قَالَ‏:‏ بَلَى، قَالَ أَيْضًا‏:‏ وَخَرَجَ أَبُو بَصِيرٍ وَالَّذِينَ أَسْلَمُوا مِنَ الَّذِينَ رَدَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى لَحِقُوا بِالسَّاحِلِ عَلَى طَرِيقِ عِيرِ قُرَيْشٍ، فَقَتَلُوا مَنْ فِيهَا مِنَ الْكُفَّارِ وَتَغَنَّمُوهَا؛ فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ كُفَّارُ قُرَيْشٍ، رَكِبَ نَفَرٌ مِنْهُمْ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالُوا لَهُ‏:‏ إِنَّهَا لَا تُغْنِي مُدَّتُكَ شَيْئًا، وَنَحْنُ نُقْتَلُ وَتُنْهَبُ أَمْوَالُنَا، وَإِنَّا نَسْأَلُكَ أَنْ تُدْخِلَ هَؤُلَاءِ فِي الَّذِينَ أَسْلَمُوا مِنَّا فِي صُلْحِكَ وَتَمْنَعَهُمْ، وَتَحْجِزَ عَنَّا قِتَالَهُمْ، فَفَعَلَ ذَلِكَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ‏:‏ ‏{‏وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ‏}‏، ثُمَّ سَاقَ الْحَدِيثَ إِلَى آخِرِهِ‏"‏، نَحْوَ حَدِيثِ ابْنِ عَبْدِ الْأَعْلَى‏.‏

حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ‏:‏ ثَنَا سَلَمَةُ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مُسْلِمِ بْنِ شِهَابٍ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنِ الْمِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ، وَمَرْوَانَ بْنِ الْحَكَمِ أَنَّهُمَا حَدَّثَاهُ، قَالَا ‏"‏«خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَامَ الْحُدَيْبِيَةِ، يُرِيدُ زِيَارَةَ الْبَيْتِ، لَا يُرِيدُ قِتَالًا وَسَاقَ مَعَهُ هَدْيَهُ سَبْعِينَ بَدَنَةً، حَتَّى إِذَا كَانَ بِعَسَفَانَ لَقِيَهُ بِشْرُ بْنُ سُفْيَانَ الْكَعْبِيُّ، فَقَالَ لَهُ‏:‏ يَا رَسُولَ اللَّهِ هَذِهِ قُرَيْشٌ قَدْ سَمِعَتْ بِمَسِيرِكَ، فَخَرَجُوا مَعَهُمُ الْعُوذُ الْمَطَافِيلُ قَدْ لَبِسُوا جُلُودَ النُّمُورِ، وَنَزَلُوا بِذِي طُوًى يُعَاهِدُونَ اللَّهَ، لَا تَدْخُلُهَا عَلَيْهِمْ أَبَدًا، وَهَذَا خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ فِي خَيْلِهِمْ، قَدْ قَدَّمُوهَا إِلَى كُرَاعِ الْغَمِيمِ؛ قَالَ‏:‏ فَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ‏:‏ يَا وَيْحَ قُرَيْشٍ لَقَدْ أَهْلَكَتْهُمُ الْحَرْبُ، مَاذَا عَلَيْهِمْ لَوْ خَلَّوْا بَيْنِي وَبَيْنَ سَائِرِ الْعَرَبِ فَإِنْ هُمْ أَصَابُونِي كَانَ ذَلِكَ الَّذِي أَرَادُوا، وَإِنْ أَظْهَرَنِي اللَّهُ عَلَيْهِمْ دَخَلُوا فِي الْإِسْلَامِ دَاخِرِين»‏"‏ ثُمَّ ذَكَرَ نَحْوَ حَدِيثِ مَعْمَرٍ بِزِيَادَاتٍ فِيهِ كَثِيرَةٍ، عَلَى حَدِيثِ مَعْمَرٍ تَرَكْتُ ذِكْرَهَا‏.‏

حَدَّثَنِي يُونُسُ، قَالَ‏:‏ أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ‏:‏ قَالَ ابْنُ زَيْدٍ، فِي قَوْلِهِ ‏{‏وَالْهَدْيَ مَعْكُوفًا أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ‏}‏ قَالَ‏:‏ كَانَ الْهَدْيُ بِذِي طُوًى، وَالْحُدَيْبِيَةُ خَارِجَةٌ مِنَ الْحَرَمِ، نَزَلَهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ غَوَّرَتْ قُرَيْشٌ عَلَيْهِ الْمَاءَ‏.‏

وَقَوْلُهُ ‏{‏وَلَوْلَا رِجَالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِسَاءٌ مُؤْمِنَاتٌ لَمْ تَعْلَمُوهُمْ أَنْ تَطَئُوهُمْ فَتُصِيبَكُمْ مِنْهُمْ مَعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ‏}‏ يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ‏:‏ وَلَوْلَا رِجَالٌ مِنْ أَهْلِ الْإِيمَانِ وَنِسَاءٌ مِنْهُمْ أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ أَنْ تَطَئُوهُمْ بِخَيْلِكُمْ وَرَجْلِكُمْ لَمْ تَعْلَمُوهُمْ بِمَكَّةَ، وَقَدْ حَبَسَهُمُ الْمُشْرِكُونَ بِهَا عَنْكُمْ، فَلَا يَسْتَطِيعُونَ مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ الْخُرُوجَ إِلَيْكُمْ فَتَقْتُلُوهُمْ‏.‏

كَمَا حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ‏:‏ ثَنَا يَزِيدُ، قَالَ‏:‏ ثَنَا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، قَوْلُهُ ‏{‏وَلَوْلَا رِجَالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِسَاءٌ مُؤْمِنَاتٌ‏}‏‏.‏‏.‏‏.‏ حَتَّى بَلَغَ ‏(‏بِغَيْرِ عِلْمٍ‏)‏ هَذَا حِينَ رُدَّ مُحَمَّدٌ وَأَصْحَابُهُ أَنْ يَدْخُلُوا مَكَّةَ، فَكَانَ بِهَا رِجَالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِسَاءٌ مُؤْمِنَاتٌ، فَكَرِهَ اللَّهُ أَنْ يُؤْذَوْا أَوْ يُوطَئُوا بِغَيْرِ عِلْمٍ، فَتُصِيبَكُمْ مِنْهُمْ مَعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ‏.‏

وَاخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي الْمَعَرَّةِ الَّتِي عَنَاهَا اللَّهُ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ‏:‏ عُنِيَ بِهَا الْإِثْمُ‏.‏

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ‏:‏

حَدَّثَنِي يُونُسُ، قَالَ‏:‏ أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ‏:‏ قَالَ ابْنُ زَيْدٍ، فِي قَوْلِهِ ‏{‏وَلَوْلَا رِجَالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِسَاءٌ مُؤْمِنَاتٌ لَمْ تَعْلَمُوهُمْ أَنْ تَطَئُوهُمْ فَتُصِيبَكُمْ مِنْهُمْ مَعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ‏}‏ قَالَ‏:‏ إِثْمٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ‏.‏

وَقَالَ آخَرُونَ‏:‏ عُنِيَ بِهَا غُرْمُ الدِّيَةِ‏.‏

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ‏:‏

حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ‏:‏ ثَنَا سَلَمَةُ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ ‏{‏فَتُصِيبَكُمْ مِنْهُمْ مَعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ‏}‏ فَتُخْرِجُوا دِيَتَهُ، فَأَمَّا إِثْمٌ فَلَمْ يَحْسِبْهُ عَلَيْهِمْ‏.‏ وَالْمَعَرَّةُ‏:‏ هِيَ الْمَفْعَلَةُ مِنَ الْعَرِّ، وَهُوَ الْجَرَبُ وَإِنَّمَا الْمَعْنَى‏:‏ فَتُصِيبَكُمْ مَنْ قِبَلِهِمْ مَعَرَّةٌ تُعَرُّونَ بِهَا، يَلْزَمُكُمْ مِنْ أَجْلِهَا كَفَّارَةُ قَتْلِ الْخَطَأِ، وَذَلِكَ عِتْقُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ، مَنْ أَطَاقَ ذَلِكَ، وَمَنْ لَمْ يُطِقْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ‏.‏

وَإِنَّمَا اخْتَرْتُ هَذَا الْقَوْلَ دُونَ الْقَوْلِ الَّذِي قَالَهُ ابْنُ إِسْحَاقَ؛ لِأَنَّ اللَّهَ إِنَّمَا أَوْجَبَ عَلَىقَاتِلِ الْمُؤْمِنِ فِي دَارِ الْحَرْبِ إِذَا لَمْ يَكُنْ هَاجَرَ مِنْهَاحُكْمَهُ، وَلَمْ يَكُنْ قَاتِلُهُ عَلِمَ إِيمَانَهُ الْكَفَّارَةَ دُونَ الدِّيَةِ، فَقَالَ ‏{‏فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ‏}‏ لَمْ يُوجِبْ عَلَى قَاتِلِهِ خَطَأً دِيَتَهُ، فَلِذَلِكَ قُلْنَا‏:‏ عَنَى بِالْمَعَرَّةِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ الْكَفَّارَةَ، وَ‏(‏أَنْ‏)‏ مِنْ قَوْلِهِ ‏(‏أَنْ تَطَئُوهُمْ‏)‏ فِي مَوْضِعِ رَفْعٍ رَدًّا عَلَى الرِّجَالِ؛ لِأَنَّ مَعْنَى الْكَلَامِ‏:‏ وَلَوْلَا أَنْ تَطَئُوا رِجَالًا مُؤْمِنِينَ وَنِسَاءً مُؤْمِنَاتٍ لَمْ تَعْلَمُوهُمْ، فَتُصِيبَكُمْ مِنْهُمْ مَعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ لَأَذِنَ اللَّهُ لَكُمْ أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ فِي دُخُولِ مَكَّةَ، وَلَكِنَّهُ حَالَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ ذَلِكَ ‏{‏لِيُدْخِلَ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ‏}‏ يَقُولُ‏:‏ لِيُدْخِلَ اللَّهُ فِي الْإِسْلَامِ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ مَنْ يَشَاءُ قَبْلَ أَنْ تَدْخُلُوهَا، وَحُذِفَ جَوَابُ لَوْلَا اسْتِغْنَاءً بِدَلَالَةِ الْكَلَامِ عَلَيْهِ‏.‏

وَقَوْلُهُ ‏(‏لَوْ تَزَيَّلُوا‏)‏ يَقُولُ‏:‏ لَوْ تَمَيَّزَ الَّذِينَ فِي مُشْرِكِي مَكَّةَ مِنَ الرِّجَالِ الْمُؤْمِنِينَ وَالنِّسَاءِ الْمُؤْمِنَاتِ الَّذِينَ لَمْ تَعْلَمُوهُمْ مِنْهُمْ، فَفَارَقُوهُمْ وَخَرَجُوا مِنْ بَيْنِ أَظْهُرِهِمْ ‏{‏لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا‏}‏ يَقُولُ‏:‏ لَقَتَلْنَا مَنْ بَقِيَ فِيهَا بِالسَّيْفِ، أَوْ لَأَهْلَكْنَاهُمْ بِبَعْضِ مَا يُؤْلِمُهُمْ مِنْ عَذَابِنَا الْعَاجِلِ‏.‏

وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ‏.‏

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ‏:‏

حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ‏:‏ ثَنَا يَزِيدُ، قَالَ‏:‏ ثَنَا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، قَوْلُهُ ‏(‏لَوْ تَزَيَّلُوا‏)‏‏.‏‏.‏‏.‏ الْآيَةَ، إِنَّ اللَّهَ يَدْفَعُ بِالْمُؤْمِنِينَ عَنِ الْكُفَّارِ‏.‏

حُدِّثْتُ عَنِ الْحُسَيْنِ، قَالَ‏:‏ سَمِعْتُ أَبَا مُعَاذٍ يَقُولُ‏:‏ أَخْبَرَنَا عُبَيْدٌ، قَالَ‏:‏ سَمِعَ الضَّحَّاكَ يَقُولُ فِي قَوْلِهِ ‏{‏لَوْ تَزَيَّلُوا لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ‏}‏ يَعْنِي أَهْلَ مَكَّةَ كَانَ فِيهِمْ مُؤْمِنُونَ مُسْتَضْعَفُونَ‏:‏ يَقُولُ اللَّهُ لَوْلَا أُولَئِكَ الْمُسْتَضْعَفُونَ لَوْ قَدْ تَزَيَّلُوا لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا‏.‏

حَدَّثَنَا يُونُسُ، قَالَ‏:‏ أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ‏:‏ قَالَ ابْنُ زَيْدٍ، فِي قَوْلِهِ ‏(‏لَوْ تَزَيَّلُوا‏)‏ لَوْ تَفَرَّقُوا، فَتَفَرَّقَ الْمُؤْمِنُ مِنَ الْكَافِرِ، لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏26‏]‏

الْقَوْلُ فِي تَأْوِِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى‏:‏ ‏{‏إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى وَكَانُوا أَحَقَّ بِهَا وَأَهْلَهَا وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا‏}‏‏.‏

يَعْنِي تَعَالَى ذِكْرُهُ بِقَوْلِهِ ‏{‏إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ‏}‏ حِينَ جَعَلَ سُهَيْلُ بْنُ عَمْرٍو فِي قَلْبِهِ الْحَمِيَّةَ، فَامْتَنَعَ أَنْ يَكْتُبَ فِي كِتَابِ الْمُقَاضَاةِ الَّذِي كُتِبَ بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالْمُشْرِكِينَ‏:‏ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، وَأَنْ يَكْتُبَ فِيهِ‏:‏ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ، وَامْتَنَعَ هُوَ وَقَوْمُهُ مِنْ دُخُولِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَامَهُ ذَلِكَ‏.‏

وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ‏.‏

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ‏:‏

حَدَّثَنَا ابْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى، قَالَ‏:‏ ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ ثَوْرٍ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، قَالَ‏:‏ كَانَتْ حَمِيَّتُهُمُ الَّتِي ذَكَرَ اللَّهُ، إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ، أَنَّهُمْ لَمْ يُقِرُّوا ‏"‏بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيم‏"‏ وَحَالُوا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْبَيْتِ‏.‏

حَدَّثَنِي يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ‏:‏ ثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، قَالَ‏:‏ ثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ بِنَحْوِهِ‏.‏

حَدَّثَنِي عَمْرُو بْنُ مُحَمَّدٍ الْعُثْمَانِيُّ، قَالَ‏:‏ ثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي أُوَيْسٍ، قَالَ‏:‏ ثَنِي أَخِي، عَنْ سُلَيْمَانَ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ أَخْبَرَهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ‏:‏ «أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، فَمَنْ قَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ فَقَدْ عَصَمَ مِنِّي مَالَهُ وَنَفْسَهُ إِلَّا بِحَقِّهِ وَحِسَابُهُ عَلَى اللَّه»‏.‏ وَأَنْزَلَ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ، فَذَكَرَ قَوْمًا اسْتَكْبَرُوا فَقَالَ‏:‏ ‏{‏إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ‏}‏ وَقَالَ اللَّهُ ‏{‏إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى وَكَانُوا أَحَقَّ بِهَا وَأَهْلَهَا‏}‏ وَهِيَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ، اسْتَكْبَرَ عَنْهَا الْمُشْرِكُونَ يَوْمَ الْحُدَيْبِيَةِ، يَوْمَ كَاتَبَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى قَضِيَّةِ الْمُدَّةِ‏.‏

وَ ‏"‏إِذْ‏"‏ مِنْ قَوْلِهِ ‏{‏إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا‏}‏ مِنْ صِلَةِ قَوْلِهِ‏:‏ لَعَذَّبْنَا‏.‏ وَتَأْوِيلُ الْكَلَامِ‏:‏ لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا، حِينَ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ، وَالْحَمِيَّةُ فَعِيلَةٌ مِنْ قَوْلِ الْقَائِلِ‏:‏ حَمَى فُلَانٌ أَنْفَهُ حَمِيَّةً وَمَحْمِيَّةً؛ وَمِنْهُ قَوْلُ الْمُتَلَمِّسِ‏:‏

أَلَا إنَّنِـي مِنْهُـمْ وَعِـرْضِي عِـرْضُهُمْ *** كَـذَا الـرَّأْسُ يَحْـمِي أنْفَـهُ أَنْ يُكْشَمَا

يَعْنِي بِقَوْلِهِ‏:‏ ‏"‏يَحْمِي‏"‏‏:‏ يَمْنَعُ‏.‏ وَقَالَ ‏(‏حَمِيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ‏)‏ لِأَنَّ الَّذِي فَعَلُوا مِنْ ذَلِكَ كَانَ جَمِيعُهُ مِنْ أَخْلَاقِ أَهْلِ الْكُفْرِ، وَلَمْ يَكُنْ شَيْءٌ مِنْهُ مِمَّا أَذِنَ اللَّهُ لَهُمْ بِهِ، وَلَا أَحَدٌ مِنْ رُسُلِهِ‏.‏

وَقَوْلُهُ ‏{‏فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ‏}‏ يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ فَأَنْزَلَ اللَّهُ الصَّبْرَ وَالطُّمَأْنِينَةَ وَالْوَقَارَ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ، إِذْ حَمَى الَّذِينَ كَفَرُوا حَمِيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ، وَمَنَعُوهُمْ مِنَ الطَّوَافِ بِالْبَيْتِ، وَأَبَوْا أَنْ يَكْتُبُوا فِي الْكِتَابِ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُمْ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، وَمُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ ‏{‏وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى‏}‏ يُقَالُ‏:‏ أَلْزَمَهُمْ قَوْلَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ الَّتِي يَتَّقُونَ بِهَا النَّارَ، وَأَلِيمَ الْعَذَابِ‏.‏

وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ عَلَى اخْتِلَافٍ فِي ذَلِكَ مِنْهُمْ، وَرُوِيَ بِهِ الْخَبَرُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ‏.‏

ذِكْرُ قَائِلِي ذَلِكَ بِمَا قُلْنَا فِيهِ، وَالْخَبَرِ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ‏:‏

حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ قَزْعَةَ الْبَاهِلِيُّ، قَالَ‏:‏ ثَنَا سُفْيَانُ بْنُ حَبِيبٍ، قَالَ‏:‏ ثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ ثَوْرِ بْنِ أَبِي فَاخِتَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ الطُّفَيْلِ، عَنْ أَبِيهِ، «سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ ‏{‏وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى‏}‏ قَالَ‏:‏ ‏"‏لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ ‏"‏»‏.‏

حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ خَالِدِ بْنِ خِدَاشٍ الْعَتَكِيُّ، قَالَ‏:‏ سَمِعْتُ سَالِمًا، سَمِعَ شُعْبَةَ، سَمِعَ سَلَمَةَ بْنَ كُهَيْلٍ، سَمِعَ عَبَايَةَ، سَمِعَ عَلِيًّا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فِي قَوْلِهِ ‏{‏وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى‏}‏ قَالَ‏:‏ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ‏.‏

حَدَّثَنِي ابْنُ بَشَّارٍ، قَالَ‏:‏ ثَنَا يَحْيَى وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ، قَالَا‏:‏ ثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ سَلَمَةَ، عَنْ عَبَايَةَ بْنِ رَبْعِيٍّ، عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، فِي قَوْلِهِ ‏{‏وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى‏}‏ قَالَ‏:‏ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَاللَّهُ أَكْبَرُ‏.‏

حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى الدَّامِغَانِيُّ، قَالَ ثَنَا ابْنُ الْمُبَارَكِ، عَنْ سُفْيَانَ وَشُعْبَةُ، عَنْ سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ، عَنْ رَجُلٍ، عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ‏:‏ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَاللَّهُ أَكْبَرُ‏.‏

حَدَّثَنَا ابْنُ الْمُثَنَّى، قَالَ‏:‏ ثَنَا وَهْبُ بْنُ جَرِيرٍ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ سَلَمَةَ، عَنْ عَبَايَةَ، عَنْ رَجُلٍ مِنْ بَنِي تَمِيمٍ عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏(‏وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى‏)‏ قَالَ‏:‏ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ‏.‏

حَدَّثَنِي عَلِيٌّ، قَالَ ثَنَا أَبُو صَالِحٍ‏.‏ قَالَ ثَنَا مُعَاوِيَةُ، عَنْ عَلِيٍّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَوْلُهُ ‏{‏وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى‏}‏ يَقُولُ‏:‏ شَهَادَةُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، فَهِيَ كَلِمَةُ التَّقْوَى، يَقُولُ‏:‏ فَهِيَ رَأْسُ التَّقْوَى‏.‏

حَدَّثَنَا ابْنُ الْمُثَنَّى، قَالَ‏:‏ ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، قَالَ‏:‏ ثَنَا شُعْبَةُ، قَالَ‏:‏ سَمِعْتُ أَبَا إِسْحَاقَ، يُحَدِّثُ عَنْ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ فِي هَذِهِ الْآيَةِ ‏{‏وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى‏}‏ قَالَ‏:‏ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ‏.‏

حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى، قَالَ‏:‏ أَخْبَرَنَا ابْنُ الْمُبَارَكِ، قَالَ‏:‏ أَخْبَرَنِي سُفْيَانُ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ، مِثْلَهُ‏.‏

حَدَّثَنَا ابْنُ بَشَّارٍ، قَالَ‏:‏ ثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ، قَالَ‏:‏ ثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ ‏{‏وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى‏}‏ قَالَ‏:‏ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ‏.‏

حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ ‏{‏وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى‏}‏ قَالَ‏:‏ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ‏.‏

حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ‏:‏ ثَنَا يَزِيدُ، قَالَ‏:‏ ثَنَا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ ‏{‏وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى‏}‏ وَهِيَ‏:‏ شَهَادَةٌ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ‏.‏

حَدَّثَنِي يُونُسُ، قَالَ‏:‏ أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ‏:‏ قَالَ ابْنُ زَيْدٍ، فِي قَوْلِهِ ‏{‏وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى‏}‏ قَالَ‏:‏ هِيَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ‏.‏

حُدِّثْتُ عَنِ الْحُسَيْنِ، قَالَ‏:‏ سَمِعْتُ أَبَا مُعَاذٍ يَقُولُ أَخْبَرَنَا عُبَيْدٌ، قَالَ‏:‏ سَمِعْتُ الضَّحَّاكَ يَقُولُ فِي قَوْلِهِ ‏{‏وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى‏}‏ هِيَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ‏.‏

حَدَّثَنِي سَعْدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ، قَالَ‏:‏ ثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ، قَالَ‏:‏ ثَنَا الْحَكَمُ بْنُ أَبَانَ، عَنْ عِكْرِمَةَ، فِي قَوْلِهِ ‏{‏وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى‏}‏ قَالَ‏:‏ شَهَادَةُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ‏.‏

حَدَّثَنِي ابْنُ الْبَرْقِيِّ، قَالَ‏:‏ ثَنَا عَمْرُو بْنُ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، عَنْ عَطَاءٍ الْخُرَاسَانِيِّ ‏{‏وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى‏}‏ قَالَ‏:‏ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ‏.‏

حَدَّثَنِي الصَّوَارِيُّ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، قَالَ‏:‏ ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سِوَارٍ، قَالَ‏:‏ ثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ الْمَكِّيِّ، عَنْ عَلِيٍّ الْأَزْدِيِّ، قَالَ‏:‏ كُنْتُ مَعَ ابْنِ عُمَرَ بَيْنَ مَكَّةَ وَمِنًى بِالْمَأْزِمَيْنِ، فَسَمِعَ النَّاسَ يَقُولُونَ‏:‏ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَاللَّهُ أَكْبَرُ، فَقَالَ‏:‏ هِيَ هِيَ، فَقُلْتُ‏:‏ مَا هِيَ‏؟‏ قَالَ ‏{‏وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى‏}‏ الْإِخْلَاصُ ‏{‏وَكَانُوا أَحَقَّ بِهَا وَأَهْلَهَا‏}‏‏.‏

وَقَالَ آخَرُونَ‏:‏ بَلْ‏:‏ هِيَ كَلِمَةُ التَّقْوَى، الْإِخْلَاصُ‏.‏

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ‏:‏

حَدَّثَنِي عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ الْأَزْدِيُّ، قَالَ‏:‏ ثَنَا يَحْيَى بْنُ يَمَانٍ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ ‏{‏وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى‏}‏ قَالَ‏:‏ الْإِخْلَاصُ‏.‏

حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو، قَالَ‏:‏ ثَنَا أَبُو عَاصِمٍ، قَالَ‏:‏ ثَنَا عِيسَى، وَحَدَّثَنِي الْحَارِثُ، قَالَ‏:‏ ثَنَا الْحَسَنُ، قَالَ‏:‏ ثَنَا وَرْقَاءُ جَمِيعًا، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ ‏{‏كَلِمَةَ التَّقْوَى‏}‏ كَلِمَةَ الْإِخْلَاصِ‏.‏

وَقَالَ آخَرُونَ‏:‏ هِيَ قَوْلُهُ‏:‏ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ‏.‏

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ‏:‏

حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى، قَالَ‏:‏ ثَنَا ابْنُ الْمُبَارَكِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، فِي قَوْلِهِ ‏{‏وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى‏}‏ قَالَ‏:‏ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ‏.‏

وَقَالَ آخَرُونَ‏:‏ هِيَ قَوْلُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ‏.‏

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ‏:‏

حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، قَالَ‏:‏ ثَنَا ابْنُ يَمَانٍ، قَالَ‏:‏ أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ وَعَطَاءٍ ‏{‏وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى‏}‏ قَالَ‏:‏ أَحَدُهُمَا الْإِخْلَاصُ، وَقَالَ الْآخَرُ‏:‏ كَلِمَةُ التَّقْوَى‏:‏ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ‏.‏

وَقَوْلُهُ ‏{‏وَكَانُوا أَحَقَّ بِهَا وَأَهْلَهَا‏}‏ يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ‏:‏ وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالْمُؤْمِنُونَ أَحَقَّ بِكَلِمَةِ التَّقْوَى مِنَ الْمُشْرِكِينَ، وَأَهْلَهَا‏:‏ يَقُولُ‏:‏ وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالْمُؤْمِنُونَ أَهْلَ كَلِمَةِ التَّقْوَى دُونَ الْمُشْرِكِينَ‏.‏

وَذُكِرَ أَنَّهَا فِي قِرَاءَةِ عَبْدِ اللَّهِ ‏(‏وَكَانُوا أَهْلَهَا وَأَحَقَّ بِهَا‏)‏‏.‏

وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ‏.‏

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ‏:‏

حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ‏:‏ ثَنَا يَزِيدُ، قَالَ‏:‏ ثَنَا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ ‏{‏وَكَانُوا أَحَقَّ بِهَا وَأَهْلَهَا‏}‏ وَكَانَ الْمُسْلِمُونَ أَحَقَّ بِهَا، وَكَانُوا أَهْلَهَا‏:‏ أَيِ التَّوْحِيدُ، وَشَهَادَةُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ‏.‏

وَقَوْلُهُ ‏(‏وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا‏)‏ يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ‏:‏ وَلَمْ يَزَلِ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ ذَا عِلْمٍ، لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ هُوَ كَائِنٌ، وَلِعِلْمِهِ أَيُّهَا النَّاسُ بِمَا يَحْدُثُ مِنْ دُخُولِكُمْ مَكَّةَ وَبِهَا رِجَالٌ مُؤْمِنُونَ، وَنِسَاءٌ مُؤْمِنَاتٌ لَمْ تَعْلَمُوهُمْ، لَمْ يَأْذَنْ لَكُمْ بِدُخُولِكُمْ مَكَّةَ فِي سَفْرَتِكُمْ هَذِهِ‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏27‏]‏

الْقَوْلُ فِي تَأْوِِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى‏:‏ ‏{‏لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لَا تَخَافُونَ فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُوا فَجَعَلَ مِنْ دُونِ ذَلِكَ فَتْحًا قَرِيبًا‏}‏‏.‏

يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ‏:‏ لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ مُحَمَّدًا رُؤْيَاهُ الَّتِي أَرَاهَا إِيَّاهُ أَنَّهُ يَدْخُلُ هُوَ وَأَصْحَابُهُ بَيْتَ اللَّهِ الْحَرَامَ آمِنِينَ، لَا يَخَافُونَ أَهْلَ الشِّرْكِ، مُقَصِّرًا بَعْضُهُمْ رَأْسَهُ، وَمُحَلِّقًا بَعْضُهْمْ‏.‏

وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ‏.‏

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ‏:‏

حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ، قَالَ‏:‏ ثَنِي أَبِي، قَالَ‏:‏ ثَنِي عَمِّي، قَالَ‏:‏ ثَنِي أَبِي، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ‏{‏لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ‏}‏ قَالَ هُوَ دُخُولُ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْبَيْتَ وَالْمُؤْمِنُونَ، مُحَلِّقِينَ رُءُوسَهُمْ وَمُقَصِّرِينَ‏.‏

حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو، قَالَ‏:‏ ثَنَا أَبُو عَاصِمٍ، قَالَ‏:‏ ثَنَا عِيسَى؛ وَحَدَّثَنِي الْحَارِثُ، قَالَ‏:‏ ثَنَا الْحَسَنُ، قَالَ‏:‏ ثَنَا وَرْقَاءُ جَمِيعًا، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، فِي قَوْلِهِ ‏{‏الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ‏}‏ قَالَ‏:‏ أُرِيَ بِالْحُدَيْبِيَةِ أَنَّهُ يَدْخُلُ مَكَّةَ وَأَصْحَابُهُ مُحَلِّقِينَ، فَقَالَ أَصْحَابُهُ حِينَ نَحَرَ بِالْحُدَيْبِيَةِ‏:‏ أَيْنَ رُؤْيَا مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ‏؟‏

حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ ثَنَا يَزِيدُ، قَالَ‏:‏ ثَنَا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ ‏{‏لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ‏}‏ قَالَ‏:‏ رَأَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ يَطُوفُ بِالْبَيْتِ وَأَصْحَابُهُ، فَصَدَّقَ اللَّهُ رُؤْيَاهُ، فَقَالَ ‏{‏لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ‏}‏‏.‏‏.‏‏.‏ حَتَّى بَلَغَ ‏{‏لَا تَخَافُونَ‏}‏‏.‏

حَدَّثَنَا ابْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى، قَالَ‏:‏ ثَنَا ابْنُ ثَوْرٍ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ قَتَادَةَ، فِي قَوْلِهِ ‏{‏لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ‏}‏ قَالَ‏:‏ أُرِيَ فِي الْمَنَامِ أَنَّهُمْ يَدْخُلُونَ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ، وَأَنَّهُمْ آمِنُونَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَهُمْ وَمُقَصِّرِينَ‏.‏

حَدَّثَنَا يُونُسُ، قَالَ‏:‏ أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ‏:‏ قَالَ ابْنُ زَيْدٍ، فِي قَوْلِهِ ‏{‏لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ‏}‏‏.‏‏.‏ إِلَى آخِرِ الْآيَةِ‏.‏ قَالَ‏:‏ قَالَ لَهُمُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ‏:‏ ‏"‏«إِنِّي قَدْ رَأَيْتُ أَنَّكُمْ سَتَدْخُلُونَ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِين‏"‏ فَلَمَّا نَزَلَ بِالْحُدَيْبِيَةِ وَلَمْ يَدْخُلْ ذَلِكَ الْعَامَ طَعَنَ الْمُنَافِقُونَ فِي ذَلِكَ، فَقَالُوا‏:‏ أَيْنَ رُؤْيَاهُ‏؟‏ فَقَالَ اللَّهُ ‏{‏لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ‏}‏ فَقَرَأَ حَتَّى بَلَغَ ‏{‏وَمُقَصِّرِينَ لَا تَخَافُونَ‏}‏ إِنِّي لَمْ أَرَهُ يَدْخُلُهَا هَذَا الْعَامَ، وَلِيَكُونَنَّ ذَلِك»‏.‏

حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ‏:‏ ثَنَا سَلَمَةُ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ ‏{‏لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ‏}‏‏.‏‏.‏‏.‏ إِلَى قَوْلِهِ ‏{‏إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ‏}‏ لِرُؤْيَا رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الَّتِي أُرِيَهَا أَنَّهُ سَيَدْخُلُ مَكَّةَ آمِنًا لَا يَخَافُ، يَقُولُ‏:‏ مُحَلِّقِينَ وَمُقَصِّرِينَ لَا تَخَافُونَ‏.‏

وَقَوْلُهُ ‏{‏فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُوا‏}‏ يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ‏:‏ فَعَلِمَ اللَّهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ مَا لَمْ تَعْلَمُوا، وَذَلِكَ عِلْمُهُ تَعَالَى ذِكْرُهُ بِمَا بِمَكَّةَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ، الَّذِينَ لَمْ يَعْلَمْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ، وَلَوْ دَخَلُوهَا فِي ذَلِكَ الْعَامِ لَوَطِئُوهُمْ بِالْخَيْلِ وَالرَّجُلِ، فَأَصَابَتْهُمْ مِنْهُمْ مَعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ، فَرَدَّهُمُ اللَّهُ عَنْ مَكَّةَ مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ‏.‏

وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ‏.‏

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ‏:‏

حَدَّثَنِي يُونُسُ، قَالَ‏:‏ أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ‏:‏ قَالَ ابْنُ زَيْدٍ، فِي قَوْلِهِ ‏{‏فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُوا‏}‏ قَالَ‏:‏ رَدَّهُ لِمَكَانِ مَنْ بَيْنَ أَظْهُرِهِمْ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ، وَأَخَّرَهُ لِيُدْخِلَ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ مَنْ يُرِيدُ أَنْ يَهْدِيَهُ‏.‏

وَقَوْلُهُ ‏{‏فَجَعَلَ مِنْ دُونِ ذَلِكَ فَتْحًا قَرِيبًا‏}‏ اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي الْفَتْحِ الْقَرِيبِ، الَّذِي جَعَلَهُ اللَّهُ لِلْمُؤْمِنِينَ دُونَ دُخُولِهِمُ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَهُمْ وَمُقَصِّرِينَ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ‏:‏ هُوَ الصُّلْحُ الَّذِي جَرَى بَيْنَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَبَيْنَ مُشْرِكِي قُرَيْشٍ‏.‏

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ‏:‏

حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو، قَالَ‏:‏ ثَنَا أَبُو عَاصِمٍ، قَالَ‏:‏ ثَنَا عِيسَى؛ وَحَدَّثَنِي الْحَارِثُ، قَالَ‏:‏ ثَنَا الْحَسَنُ، قَالَ‏:‏ ثَنَا وَرْقَاءُ جَمِيعًا، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، قَوْلُهُ ‏{‏مِنْ دُونِ ذَلِكَ فَتْحًا قَرِيبًا‏}‏ قَالَ‏:‏ النَّحْرُ بِالْحُدَيْبِيَةِ، وَرَجَعُوا فَافْتَتَحُوا خَيْبَرَ، ثُمَّ اعْتَمَرَ بَعْدَ ذَلِكَ، فَكَانَ تَصْدِيقُ رُؤْيَاهُ فِي السَّنَةِ الْقَابِلَةِ‏.‏

حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ‏:‏ ثَنَا سَلَمَةُ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، قَوْلُهُ ‏{‏فَجَعَلَ مِنْ دُونِ ذَلِكَ فَتْحًا قَرِيبًا‏}‏ يَعْنِي‏:‏ صُلْحَ الْحُدَيْبِيَةِ، وَمَا فُتِحَ فِي الْإِسْلَامِ فَتْحٌ كَانَ أَعْظَمَ مِنْهُ، إِنَّمَا كَانَ الْقِتَالُ حَيْثُ الْتَقَى النَّاسُ؛ فَلَمَّا كَانَتِ الْهُدْنَةُ وُضِعَتِ الْحَرْبُ، وَأَمِنَ النَّاسُ كُلُّهُمْ بَعْضُهُمْ بَعْضًا، فَالْتَقَوْا فَتَفَاوَضُوا فِي الْحَدِيثِ وَالْمُنَازَعَةِ، فَلَمْ يُكَلَّمْ أَحَدٌ بِالْإِسْلَامِ يَعْقِلُ شَيْئًا إِلَّا دَخَلَ فِيهِ، فَلَقَدْ دَخَلَ فِي تَيْنِكَ السَّنَتَيْنِ فِي الْإِسْلَامِ مِثْلُ مَنْ كَانَ فِي الْإِسْلَامِ قَبْلَ ذَلِكَ وَأَكْثَرُ‏.‏

حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ‏:‏ ثَنَا سَلَمَةُ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ ‏{‏فَجَعَلَ مِنْ دُونِ ذَلِكَ فَتْحًا قَرِيبًا‏}‏ قَالَ‏:‏ صُلْحُ الْحُدَيْبِيَةِ‏.‏

وَقَالَ آخَرُونَ‏:‏ عَنَى بِالْفَتْحِ الْقَرِيبِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ فَتْحَ خَيْبَرَ‏.‏

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ‏:‏

حَدَّثَنِي يُونُسُ، قَالَ‏:‏ أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ‏:‏ قَالَ ابْنُ زَيْدٍ، فِي قَوْلِهِ ‏{‏فَجَعَلَ مِنْ دُونِ ذَلِكَ فَتْحًا قَرِيبًا‏}‏ قَالَ‏:‏ خَيْبَرُ حِينَ رَجَعُوا مِنَ الْحُدَيْبِيَةِ، فَتَحَهَا اللَّهُ عَلَيْهِمْ، فَقَسَمَهَا عَلَى أَهْلِ الْحُدَيْبِيَةِ كُلِّهِمْ إِلَّا رَجُلًا وَاحِدًا مِنَ الْأَنْصَارِ، يُقَالُ لَهُ‏:‏ أَبُو دُجَانَةَ سِمَاكُ بْنُ خَرَشَةَ، كَانَ قَدْ شَهِدَ الْحُدَيْبِيَةَ وَغَابَ عَنْ خَيْبَرَ‏.‏

وَأَوْلَى الْأَقْوَالِ فِي ذَلِكَ بِالصَّوَابِ أَنْ يُقَالَ‏:‏ إِنَّ اللَّهَ أَخْبَرَ أَنَّهُ جَعَلَ لِرَسُولِهِ وَالَّذِينَ كَانُوا مَعَهُ مِنْ أَهْلِ بَيْعَةِ الرِّضْوَانَِ فَتْحًا قَرِيبًا مِنْ دُونِ دُخُولِهِمُ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ، وَدُونَ تَصْدِيقِهِ رُؤْيَا رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَكَانَ صُلْحُ الْحُدَيْبِيَةِ وَفَتْحُ خَيْبَرَ دُونَ ذَلِكَ، وَلَمْ يُخَصِّصِ اللَّهُ تَعَالَى ذِكْرُهُ خَبَرَهُ ذَلِكَ عَنْ فَتْحٍ مِنْ ذَلِكَ دُونَ فَتْحٍ، بَلْ عَمَّ ذَلِكَ، وَذَلِكَ كُلُّهُ فَتْحٌ جَعَلَهُ اللَّهُ مِنْ دُونِ ذَلِكَ‏.‏

وَالصَّوَابُ أَنْ يَعُمَّهُ كَمَا عَمَّهُ، فَيُقَالُ‏:‏ جَعَلَ اللَّهُ مِنْ دُونِ تَصْدِيقِهِ رُؤْيَا رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِدُخُولِهِ وَأَصْحَابُهُ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسُهُمْ وَمُقَصِّرِينَ، لَا يَخَافُونَ الْمُشْرِكِينَ صُلْحَ الْحُدَيْبِيَةِ وَفَتْحَ خَيْبَرَ‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏28- 29‏]‏

الْقَوْلُ فِي تَأْوِِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى‏:‏ ‏{‏هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا‏}‏‏.‏

يَعْنِي تَعَالَى ذِكْرُهُ بِقَوْلِهِ ‏{‏هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ‏}‏ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْبَيَانِ الْوَاضِحِ، وَدِينِ الْحَقِّ، وَهُوَ الْإِسْلَامُ؛ الَّذِي أَرْسَلَهُ دَاعِيًا خَلْقَهُ إِلَيْهِ ‏{‏لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ‏}‏ يَقُولُ‏:‏ لِيُبْطِلَ بِهِ الْمِلَلَ كُلَّهَا، حَتَّى لَا يَكُونَ دِينٌ سِوَاهُ، وَذَلِكَ كَانَ كَذَلِكَ حَتَّى يَنْزِلَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ، فَيَقْتُلَ الدَّجَّالَ، فَحِينَئِذٍ تَبْطُلُ الْأَدْيَانُ كُلُّهَا غَيْرَ دِينِ اللَّهِ الَّذِي بَعَثَ بِهِ مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَيَظْهَرُ الْإِسْلَامُ عَلَى الْأَدْيَانِ كُلِّهَا‏.‏

وَقَوْلُهُ ‏{‏وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا‏}‏ يَقُولُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ لِنَبِيِّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ‏:‏ أَشْهَدَكَ يَا مُحَمَّدُ رَبُّكَ عَلَى نَفْسِهِ، أَنَّهُ سَيُظْهِرُ الدِّينَ الَّذِي بَعَثَكَ بِهِ ‏{‏وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا‏}‏ يَقُولُ‏:‏ وَحَسْبُكَ بِهِ شَاهِدًا‏.‏

وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ‏.‏

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ‏:‏

حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ‏.‏ ثَنَا يَحْيَى بْنُ وَاضِحٍ، قَالَ‏:‏ ثَنَا أَبُو بَكْرٍ الْهُذَلِيُّ، عَنِ الْحَسَنِ ‏{‏هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا‏}‏ يَقُولُ‏:‏ أَشْهَدَ لَكَ عَلَى نَفْسِهِ أَنَّهُ سَيُظْهِرُ دِينَكَ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ، وَهَذَا إِعْلَامٌ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى نَبِيَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَالَّذِينَ كَرِهُوا الصُّلْحَ يَوْمَ الْحُدَيْبِيَةِ مِنْ أَصْحَابِهِ، أَنَّ اللَّهَ فَاتِحٌ عَلَيْهِمْ مَكَّةَ وَغَيْرَهَا مِنَ الْبُلْدَانِ، مُسَلِّيهِمْ بِذَلِكَ عَمَّا نَالَهُمْ مِنَ الْكَآبَةِ وَالْحُزْنِ، بِانْصِرَافِهِمْ عَنْ مَكَّةَ قَبْلَ دُخُولِهِمُوهَا، وَقَبْلَ طَوَافِهِمْ بِالْبَيْتِ‏.‏

وَقَوْلُهُ ‏{‏مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ‏}‏ يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ‏:‏ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَأَتْبَاعُهُ مِنْ أَصْحَابِهِ الَّذِينَ هُمْ مَعَهُ عَلَى دِينِهِ، ‏{‏أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ‏}‏، غَلِيظَةٌ عَلَيْهِمْ قُلُوبُهُمْ، قَلِيلَةٌ بِهِمْ رَحْمَتُهُمْ ‏(‏رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ‏)‏ يَقُولُ‏:‏ رَقِيقَةٌ قُلُوبُ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ، لَيِّنَةٌ أَنْفُُسُهُمْ لَهُمْ، هَيِّنَةٌ عَلَيْهِمْ لَهُمْ‏.‏

كَمَا حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ‏:‏ ثَنَا يَزِيدُ، قَالَ‏:‏ ثَنَا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ ‏{‏رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ‏}‏ أَلْقَى اللَّهُ فِي قُلُوبِهِمُ الرَّحْمَةَ، بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ‏{‏تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا‏}‏ يَقُولُ‏:‏ تَرَاهُمْ رُكَّعًا أَحْيَانًا لِلَّهِ فِي صَلَاتِهِمْ سُجَّدًا أَحْيَانًا ‏{‏يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ‏}‏ يَقُولُ‏:‏ يَلْتَمِسُونَ بِرُكُوعِهِمْ وَسُجُودِهِمْ وَشِدَّتِهِمْ عَلَى الْكُفَّارِ وَرَحْمَةِ بَعْضِهِمْ بَعْضًا فَضْلًا مِنَ اللَّهِ، وَذَلِكَ رَحْمَتُهُ إِيَّاهُمْ، بِأَنْ يَتَفَضَّلَ عَلَيْهِمْ، فَيُدْخِلَهُمْ جَنَّتَهُ ‏(‏وَرِضْوَانًا‏)‏ يَقُولُ‏:‏ وَأَنْ يَرْضَى عَنْهُمْ رَبُّهُمْ‏.‏

وَقَوْلُهُ ‏{‏سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ‏}‏ يَقُولُ‏:‏ عَلَامَتُهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ فِي صَلَاتِهِمْ‏.‏

ثُمَّ اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي السِّيمَا الَّذِي عَنَاهُ اللَّهُ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ‏:‏ ذَلِكَ عَلَامَةٌ يَجْعَلُهَا اللَّهُ فِي وُجُوهِ الْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يُعْرَفُونَ بِهَا لِمَا كَانَ مِنْ سُجُودِهِمْ لَهُ فِي الدُّنْيَا‏.‏

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ‏:‏

حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ، قَالَ‏:‏ ثَنِي أَبِي، قَالَ‏:‏ ثَنِي عَمِّي، قَالَ‏:‏ ثَنِي أَبِي، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ‏{‏سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ‏}‏ قَالَ‏:‏ صَلَاتُهُمْ تَبْدُو فِي وُجُوهِهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ‏.‏

حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ‏:‏ ثَنَا يَحْيَى بْنُ وَاضِحٍ، قَالَ‏:‏ ثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ الْعَتَكِيُّ، عَنْ خَالِدٍ الْحَنَفِيِّ، قَوْلُهُ ‏{‏سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ‏}‏ قَالَ‏:‏ يُعْرَفُ ذَلِكَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ سُجُودِهِمْ فِي الدُّنْيَا، وَهُوَ كَقَوْلِهِ ‏{‏تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ‏}‏‏.‏

حَدَّثَنِي عُبَيْدُ بْنُ أَسْبَاطِ بْنِ مُحَمَّدٍ، قَالَ‏:‏ ثَنَا أَبِي، عَنْ فُضَيْلِ بْنِ مَرْزُوقٍ، عَنْ عَطِيَّةَ، فِي قَوْلِهِ ‏{‏سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ‏}‏ قَالَ‏:‏ مَوَاضِعُ السُّجُودِ مِنْ وُجُوهِهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَشَدُّ وُجُوهِهِمْ بَيَاضًا‏.‏

حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُمَارَةَ، قَالَ‏:‏ ثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى، قَالَ‏:‏ أَخْبَرَنَا ابْنُ فُضَيْلٍ، عَنْ فُضَيْلٍ، عَنْ عَطِيَّةَ، بِنَحْوِهِ‏.‏

حَدَّثَنِي أَبُو السَّائِبِ، قَالَ‏:‏ ثَنَا ابْنُ فُضَيْلٍ، عَنْ فُضَيْلٍ، عَنْ عَطِيَّةَ، بِنَحْوِهِ‏.‏

حَدَّثَنَا مُجَاهِدُ بْنُ مُوسَى، قَالَ‏:‏ ثَنَا يَزِيدُ، قَالَ‏:‏ أَخْبَرَنَا فُضَيْلٌ، عَنْ عَطِيَّةَ، مِثْلَهُ‏.‏

حَدَّثَنَا ابْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى، قَالَ‏:‏ ثَنَا الْمُعْتَمِرُ، قَالَ‏:‏ سَمِعْتُ شَبِيبًا يَقُولُ عَنْ مُقَاتِلِ بْنِ حَيَّانَ، قَالَ‏:‏ ‏{‏سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ‏}‏ قَالَ‏:‏ النُّورُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ‏.‏

حَدَّثَنَا ابْنُ سِنَانٍ الْقَزَّازُ، قَالَ‏:‏ ثَنَا هَارُونُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، قَالَ‏:‏ قَالَ عَلِيُّ بْنُ الْمُبَارَكِ‏:‏ سَمِعْتُ غَيْرَ وَاحِدٍ عَنِ الْحَسَنِ، فِي قَوْلِهِ ‏{‏سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ‏}‏ قَالَ‏:‏ بَيَاضٌ فِي وُجُوهِهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ‏.‏

وَقَالَ آخَرُونَ‏:‏ بَلْ ذَلِكَ سِيمَا الْإِسْلَامِ وَسَمْتُهُ وَخُشُوعُهُ، وَعَنَى بِذَلِكَ أَنَّهُ يَرَى مِنْ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ فِي الدُّنْيَا‏.‏

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ‏:‏

حَدَّثَنَا عَلِيٌّ، قَالَ‏:‏ ثَنَا أَبُو صَالِحٍ، قَالَ‏:‏ ثَنِي مُعَاوِيَةُ، عَنْ عَلِيٍّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، فِي قَوْلِهِ ‏{‏سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ‏}‏ قَالَ‏:‏ السَّمْتُ الْحَسَنُ‏.‏

قَالَ‏:‏ ثَنَا مُجَاهِدٌ، قَالَ‏:‏ ثَنَا يَزِيدُ، قَالَ‏:‏ ثَنَا الْحَسَنُ بْنُ مُعَاوِيَةَ، عَنِ الْحَكَمِ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، فِي قَوْلِهِ ‏{‏سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ‏}‏ قَالَ‏:‏ أَمَا إِنَّهُ لَيْسَ بِالَّذِي تَرَوْنَ، وَلَكِنَّهُ سِيمَا الْإِسْلَامِ وَسَحْنَتُهُ وَسَمْتُهُ وَخُشُوعُهُ‏.‏

حَدَّثَنَا ابْنُ بَشَّارٍ، قَالَ‏:‏ ثَنَا أَبُو عَامِرٍ، قَالَ‏:‏ ثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ حُمَيْدٍ الْأَعْرَجِ، عَنْ مُجَاهِدٍ ‏{‏سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ‏}‏ قَالَ‏:‏ الْخُشُوعُ وَالتَّوَاضُعُ‏.‏

حَدَّثَنَا ابْنُ بَشَّارٍ، قَالَ‏:‏ ثَنَا مُؤَمِّلٌ، قَالَ‏:‏ ثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ حُمَيْدٍ الْأَعْرَجِ، عَنْ مُجَاهِدٍ، مِثْلَهُ‏.‏

قَالَ‏:‏ ثَنَا أَبُو عَامِرٍ، قَالَ‏:‏ ثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ ‏{‏سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ‏}‏ قَالَ‏:‏ الْخُشُوعُ‏.‏

حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، قَالَ‏:‏ ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنِ الْحَكَمِ، عَنْ مُجَاهِدٍ، فِي هَذِهِ الْآيَةِ ‏{‏سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ‏}‏ قَالَ‏:‏ السَّحْنَةُ‏.‏

حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ‏:‏ ثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، فِي قَوْلِهِ‏:‏ ‏{‏سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ‏}‏ قَالَ‏:‏ هُوَ الْخُشُوعُ، فَقُلْتُ‏:‏ هُوَ أَثَرُ السُّجُودِ، فَقَالَ‏:‏ إِنَّهُ يَكُونُ بَيْنَ عَيْنَيْهِ مِثْلُ رُكْبَةِ الْعَنْزِ وَهُوَ كَمَا شَاءَ اللَّهُ‏.‏

وَقَالَ آخَرُونَ‏:‏ ذَلِكَ أَثَرٌ يَكُونُ فِي وُجُوهِ الْمُصَلِّينَ مِثْلَ أَثَرِ السَّهَرِ، الَّذِي يَظْهَرُ فِي الْوَجْهِ مِثْلَ الْكَلَفِ وَالتَّهَيُّجِ وَالصُّفْرَةِ، وَأَشْبَهُ ذَلِكَ مِمَّا يُظْهِرُهُ السَّهَرُ وَالتَّعَبُ فِي الْوَجْهِ، وَوَجَّهُوا التَّأْوِيلَ فِي ذَلِكَ إِلَى أَنَّهُ سِيمَا فِي الدُّنْيَا‏.‏

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ‏:‏

حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، قَالَ‏:‏ ثَنَا ابْنُ يَمَانٍ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ رَجُلٍ، عَنِ الْحَسَنِ ‏{‏سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ‏}‏ قَالَ‏:‏ الصُّفْرَةُ‏.‏

حَدَّثَنَا ابْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى، قَالَ‏:‏ ثَنَا الْمُعْتَمِرُ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ‏:‏ زَعَمَ الشَّيْخُ الَّذِي كَانَ يَقُصُّ فِي عُسْرٍ، وَقَرَأَ ‏{‏سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ‏}‏ فَزَعَمَ أَنَّهُ السَّهَرُ يُرَى فِي وُجُوهِهِمْ‏.‏

حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ‏:‏ ثَنَا يَعْقُوبُ الْقُمِّيُّ، عَنْ حَفْصٍ، عَنْ شَمْرِ بْنِ عَطِيَّةَ، فِي قَوْلِهِ ‏{‏سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ‏}‏ قَالَ‏:‏ تَهَيُّجٌ فِي الْوَجْهِ مِنْ سَهَرِ اللَّيْلِ‏.‏

وَقَالَ آخَرُونَ‏:‏ ذَلِكَ آثَارٌ تُرَى فِي الْوَجْهِ مِنْ ثَرَى الْأَرْضِ، أَوْ نَدَى الطَّهُورِ‏.‏

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ‏:‏

حَدَّثَنَا حَوْثَرَةُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْمِنْقَرِيُّ، قَالَ‏:‏ ثَنَا حَمَّادُ بْنُ مَسْعَدَةَ؛ وَحَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ‏:‏ ثَنَا جَرِيرٌ جَمِيعًا عَنْ ثَعْلَبَةَ بْنِ سُهَيْلٍ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ أَبِي الْمُغِيرَةِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، فِي قَوْلِهِ ‏(‏سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ‏)‏ قَالَ‏:‏ ثَرَى الْأَرْضِ، وَنَدَى الطَّهُورِ‏.‏

حَدَّثَنَا ابْنُ سِنَانٍ الْقَزَّازُ، قَالَ‏:‏ ثَنَا هَارُونُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، قَالَ‏:‏ ثَنَا عَلِيُّ بْنُ الْمُبَارَكِ، قَالَ‏:‏ ثَنَا مَالِكُ بْنُ دِينَارٍ، قَالَ‏:‏ سَمِعْتُ عِكْرِمَةَ يَقُولُ ‏{‏سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ‏}‏ قَالَ‏:‏ هُوَ أَثَرُ التُّرَابِ‏.‏

وَأَوْلَى الْأَقْوَالِ فِي ذَلِكَ بِالصَّوَابِ أَنْ يُقَالَ‏:‏ إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى ذِكْرُهُ أَخْبَرَنَا أَنَّ سِيمَا هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ الَّذِينَ وَصَفَ صِفَتَهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ، وَلَمْ يَخُصَّ ذَلِكَ عَلَى وَقْتٍ دُونَ وَقْتٍ‏.‏ وَإِذْ كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ، فَذَلِكَ عَلَى كُلِّ الْأَوْقَاتِ، فَكَانَ سِيمَاهُمُ الَّذِي كَانُوا يُعْرَفُونَ بِهِ فِي الدُّنْيَا أَثَرَ الْإِسْلَامِ، وَذَلِكَ خُشُوعُهُ وَهَدْيُهُ وَزُهْدُهُ وَسَمْتُهُ، وَآثَارُ أَدَاءِ فَرَائِضِهِ وَتَطَوُّعِهِ، وَفِي الْآخِرَةِ مَا أَخْبَرَ أَنَّهُمْ يُعْرَفُونَ بِهِ، وَذَلِكَ الْغُرَّةُ فِي الْوَجْهِ وَالتَّحْجِيلُ فِي الْأَيْدِي وَالْأَرْجُلِ مِنْ أَثَرِ الْوُضُوءِ، وَبَيَاضُ الْوُجُوهِ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ‏.‏

وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي مَعْنَى السِّيمَا قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ‏.‏

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ‏:‏

حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ‏:‏ ثَنَا يَزِيدُ، قَالَ‏:‏ ثَنَا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ ‏{‏سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ‏}‏ يَقُولُ‏:‏ عَلَامَتُهُمْ أَوْ أَعْلَمَتْهُمُ الصَّلَاةُ‏.‏

وَقَوْلُهُ ‏{‏ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ‏}‏ يَقُولُ‏:‏ هَذِهِ الصِّفَةُ الَّتِي وُصِفَتْ لَكُمْ مِنْ صِفَةِ أَتْبَاعِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الَّذِينَ مَعَهُ صِفَتُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ‏.‏

وَقَوْلُهُ ‏{‏وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ‏}‏ يَقُولُ‏:‏ وَصِفَتُهُمْ فِي إِنْجِيلِ عِيسَى صِفَةُ زَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ، وَهُوَ فِرَاخُهُ، يُقَالُ مِنْهُ‏:‏ قَدْ أَشْطَأَ الزَّرْعُ‏:‏ إِذَا فَرَّخَ فَهُوَ يُشْطِئُ إِشْطَاءً، وَإِنَّمَا مَثَّلَهُمْ بِالزَّرْعِ الْمُشْطِئِ؛ لِأَنَّهُمُ ابْتَدَءُوا فِي الدُّخُولِ فِي الْإِسْلَامِ، وَهُمْ عَدَدٌ قَلِيلُونَ، ثُمَّ جَعَلُوا يَتَزَايَدُونَ، وَيَدْخُلُ فِيهِ الْجَمَاعَةُ بَعْدَهُمْ، ثُمَّ الْجَمَاعَةُ بَعْدَ الْجَمَاعَةِ، حَتَّى كَثُرَ عَدَدُهُمْ، كَمَا يَحْدُثُ فِي أَصْلِ الزَّرْعِ الْفَرْخُ مِنْهُ، ثُمَّ الْفَرْخُ بَعْدَهُ حَتَّى يَكْثُرَ وَيُنُمَّى‏.‏

وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ‏.‏

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ‏:‏

حَدَّثَنِي عَلِيٌّ، قَالَ‏:‏ ثَنَا أَبُو صَالِحٍ، قَالَ‏:‏ ثَنَا مُعَاوِيَةُ، عَنْ عَلِيٍّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَوْلُهُ ‏{‏مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ‏}‏ أَصْحَابُهُ، مَثَلُهُمْ، يَعْنِي نَعْتَهُمْ مَكْتُوبًا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ‏.‏

حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ‏:‏ ثَنَا يَحْيَى بْنُ وَاضِحٍ، قَالَ‏:‏ ثَنَا عُبَيْدٌ، عَنِ الضَّحَّاكِ ‏{‏مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ‏}‏‏.‏‏.‏‏.‏ إِلَى قَوْلِهِ ‏{‏ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ‏}‏ ثُمَّ قَالَ ‏{‏وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ‏}‏‏.‏‏.‏‏.‏ الْآيَةَ‏.‏

حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ‏:‏ ثَنَا يَزِيدُ، قَالَ‏:‏ ثَنَا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ ذَلِكَ ‏{‏مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ‏}‏‏:‏ أَيْ هَذَا الْمَثَلُ فِي التَّوْرَاةِ ‏{‏وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ‏}‏ فَهَذَا مَثَلُ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْإِنْجِيلِ‏.‏

حَدَّثَنَا ابْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى، قَالَ‏:‏ ثَنَا ابْنُ ثَوْرٍ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ قَتَادَةَ، فِي قَوْلِهِ ‏{‏سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ‏}‏ قَالَ ‏{‏ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ‏}‏‏.‏

حُدِّثْتُ عَنِ الْحُسَيْنِ، قَالَ‏:‏ سَمِعْتُ أَبَا مُعَاذٍ يَقُولُ‏:‏ أَخْبَرَنَا عُبَيْدٌ، قَالَ‏:‏ سَمِعْتُ الضَّحَّاكَ يَقُولُ فِي قَوْلِهِ ‏{‏سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ‏}‏ يَعْنِي السِّيمَا فِي الْوُجُوهِ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ، وَلَيْسَ بِمَثَلِهِمْ فِي الْإِنْجِيلِ، ثُمَّ قَالَ عَزَّ وَجَلَّ‏:‏ ‏{‏وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ‏}‏‏.‏‏.‏‏.‏ الْآيَةَ، هَذَا مَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ‏.‏

حَدَّثَنِي يُونُسُ، قَالَ‏:‏ أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ‏:‏ قَالَ ابْنُ زَيْدٍ، فِي قَوْلِهِ ‏{‏سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ‏}‏‏.‏

حَدَّثَنِي عَمْرُو بْنُ عَبْدِ الْحَمِيدِ، قَالَ‏:‏ ثَنَا مَرْوَانُ بْنُ مُعَاوِيَةَ، عَنْ جُوَيْبِرٍ، عَنِ الضَّحَّاكِ فِي قَوْلِ اللَّهِ‏:‏ ‏{‏مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ‏}‏‏.‏‏.‏‏.‏ الْآيَةَ، قَالَ‏:‏ هَذَا مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ، وَمَثَلٌ آخَرُ فِي الْإِنْجِيلِ ‏{‏كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ‏}‏ الْآيَةَ‏.‏

وَقَالَ آخَرُونَ‏:‏ هَذَانِ الْمَثَلَانِ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ مَثَلُهُمْ‏.‏

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ‏:‏

حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو، قَالَ‏:‏ ثَنَا أَبُو عَاصِمٍ، قَالَ‏:‏ ثَنَا عِيسَى؛ وَحَدَّثَنِي الْحَارِثُ، قَالَ‏:‏ ثَنَا الْحَسَنُ، قَالَ‏:‏ ثَنَا وَرْقَاءُ جَمِيعًا، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، فِي قَوْلِهِ ‏{‏ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ‏}‏ وَالْإِنْجِيلِ وَاحِدٌ‏.‏

وَأَوْلَى الْقَوْلَيْنِ فِي ذَلِكَ بِالصَّوَابِ قَوْلُ مَنْ قَالَ‏:‏ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ غَيْرُ مَثَلِهِمْ فِي الْإِنْجِيلِ، وَإِنَّ الْخَبَرَ عَنْ مَثَلِهِمْ فِي التَّوْرَاةِ مُتَنَاهٍ عِنْدَ قَوْلِهِ ‏{‏ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ‏}‏ وَذَلِكَ أَنَّ الْقَوْلَ لَوْ كَانَ كَمَا قَالَ مُجَاهِدٌ مِنْ أَنَّ مَثَلَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَاحِدٌ، لَكَانَ التَّنْزِيلُ‏:‏ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ، وَكَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ، فَكَانَ تَمْثِيلُهُمْ بِالزَّرْعِ مَعْطُوفًا عَلَى قَوْلِهِ ‏{‏سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ‏}‏ حَتَّى يَكُونَ ذَلِكَ خَبَرًا عَنْ أَنَّ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ، وَفِي مَجِيءِ الْكَلَامِ بِغَيْرِ وَاوٍ فِي قَوْلِهِ ‏(‏كَزَرْعٍ‏)‏ دَلِيلٌ بَيِّنٌ عَلَى صِحَّةِ مَا قُلْنَا، وَأَنَّ قَوْلَهُمْ ‏{‏وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ‏}‏ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ عَنْ صِفَتِهِمُ الَّتِي هِيَ فِي الْإِنْجِيلِ دُونَ مَا فِي التَّوْرَاةِ مِنْهَا‏.‏

وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي قَوْلِهِ ‏{‏أَخْرَجَ شَطْأَهُ‏}‏ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ‏.‏

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ‏:‏

حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْمَسْعُودِيُّ، قَالَ‏:‏ ثَنَا أَبِي، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ خَيْثَمَةَ، قَالَ‏:‏ بَيْنَا عَبْدُ اللَّهِ يُقْرِئُ رَجُلًا عِنْدَ غُرُوبِ الشَّمْسِ، إِذْ مَرَّ بِهَذِهِ الْآيَةِ ‏{‏كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ‏}‏ قَالَ‏:‏ أَنْتُمُ الزَّرْعُ، وَقَدْ دَنَا حَصَادُكُمْ‏.‏

قَالَ‏:‏ ثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ‏:‏ ثَنَا ابْنُ عُلَيَّةَ، عَنْ حُمَيدٍ الطَّوِيلِ، قَالَ‏:‏ قَرَأَ أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ‏:‏ ‏{‏كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ‏}‏ قَالَ‏:‏ تَدْرُونَ مَا شَطْؤُهُ‏؟‏ قَالَ‏:‏ نَبَاتُهُ‏.‏

حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ، قَالَ‏:‏ ثَنِي أَبِي، قَالَ‏:‏ ثَنِي عَمِّي، قَالَ‏:‏ ثَنِي أَبِي، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَوْلُهُ ‏{‏ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ‏}‏ قَالَ‏:‏ سُنْبُلُهُ حِينَ يَتَسَلَّعُ نَبَاتُهُ عَنْ حَبَّاتِهِ‏.‏

حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ‏:‏ ثَنَا يَزِيدُ، قَالَ‏:‏ ثَنَا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ ‏{‏وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ‏}‏ قَالَ‏:‏ هَذَا مَثَلُ أَصْحَابِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْإِنْجِيلِ، قِيلَ لَهُمْ‏:‏ إِنَّهُ سَيَخْرُجُ قَوْمٌ يَنْبُتُونَ نَبَاتَ الزَّرْعِ مِنْهُمْ قَوْمٌ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ، وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ‏.‏

حَدَّثَنَا ابْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى، قَالَ‏:‏ ثَنَا ابْنُ ثَوْرٍ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ قَتَادَةَ وَالزُّهْرِيِّ ‏{‏كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ‏}‏ قَالَا أَخْرَجَ نَبَاتَهُ‏.‏

حُدِّثْتُ عَنِ الْحُسَيْنِ، قَالَ‏:‏ سَمِعْتُ أَبَا مُعَاذٍ يَقُولُ‏:‏ أَخْبَرَنَا عُبَيْدٌ، قَالَ‏:‏ سَمِعْتُ الضَّحَّاكَ يَقُولُ فِي قَوْلِهِ ‏{‏وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ‏}‏ يَعْنِي‏:‏ أَصْحَابَ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَكُونُونَ قَلِيلًا ثُمَّ يَزْدَادُونَ وَيَكْثُرُونَ وَيُسْتَغْلَظُونَ‏.‏

حَدَّثَنِي يُونُسُ، قَالَ‏:‏ أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ‏:‏ قَالَ ابْنُ زَيْدٍ، فِي قَوْلِهِ ‏(‏كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ‏)‏ أَوْلَادَهُ، ثُمَّ كَثُرَتْ أَوْلَادُهُ‏.‏

حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو، قَالَ‏:‏ ثَنَا أَبُو عَاصِمٍ، قَالَ‏:‏ ثَنَا عِيسَى؛ وَحَدَّثَنِي الْحَارِثُ، قَالَ‏:‏ ثَنَا الْحَسَنُ، قَالَ‏:‏ ثَنَا وَرْقَاءُ جَمِيعًا، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، فِي قَوْلِهِ ‏{‏كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ‏}‏ قَالَ‏:‏ مَا يَخْرُجُ بِجَنْبِ الْحَقْلَةِ فَيَتِمُّ وَيَنْمَى‏.‏

وَقَوْلُهُ ‏(‏فَآزَرَهُ‏)‏ يَقُولُ‏:‏ فَقَوَّاهُ‏:‏ أَيْ قَوَّى الزَّرْعُ شَطْأَهُ وَأَعَانَهُ، وَهُوَ مِنَ الْمُوَازَرَةِ الَّتِي بِمَعْنَى الْمُعَاوَنَةِ ‏(‏فَاسْتَغْلَظَ‏)‏ يَقُولُ‏:‏ فَغَلُظَ الزَّرْعُ ‏{‏فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ‏}‏ وَالسُّوقُ‏:‏ جَمْعُ سَاقٍ، وَسَاقُ الزَّرْعِ وَالشَّجَرِ‏:‏ حَامِلَتُهُ‏.‏

وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ‏.‏

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ‏:‏

حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ، قَالَ‏:‏ ثَنِي أَبِي، قَالَ‏:‏ ثَنِي عَمِّي، قَالَ‏:‏ ثَنِي أَبِي، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ‏(‏فَآزَرَهُ‏)‏ يَقُولُ‏:‏ نَبَاتُهُ مَعَ الْتِفَافِهِ حِينَ يُسَنْبِلُ ‏{‏ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ‏}‏ فَهُوَ مَثَلٌ ضَرَبَهُ لِأَهْلِ الْكِتَابِ إِذَا خَرَجَ قَوْمٌ يَنْبُتُونَ كَمَا يَنْبُتُ الزَّرْعُ فَيَبْلُغُ فِيهِمْ رِجَالٌ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ، وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ، ثُمَّ يَغْلُظُونَ، فَهُمْ أُولَئِكَ الَّذِينَ كَانُوا مَعَهُمْ‏.‏ وَهُوَ مَثَلٌ ضَرَبَهُ اللَّهُ لِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ‏:‏ بَعَثَ اللَّهُ النَّبِيَّ وَحْدَهُ، ثُمَّ اجْتَمَعَ إِلَيْهِ نَاسٌ قَلِيلٌ يُؤْمِنُونَ بِهِ، ثُمَّ يَكُونُ الْقَلِيلُ كَثِيرًا، وَيُسْتَغْلَظُونَ، وَيَغِيظُ اللَّهُ بِهِمُ الْكُفَّارَ‏.‏

حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو، قَالَ‏:‏ ثَنَا أَبُو عَاصِمٍ، قَالَ‏:‏ ثَنَا عِيسَى؛ وَحَدَّثَنِي الْحَارِثُ، قَالَ‏:‏ ثَنَا الْحَسَنُ، قَالَ‏:‏ ثَنَا وَرْقَاءُ جَمِيعًا، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، فِي قَوْلِهِ ‏(‏فَآزَرَهُ‏)‏ قَالَ‏:‏ فَشَدَّهُ وَأَعَانَهُ‏.‏

وَقَوْلُهُ ‏{‏عَلَى سُوقِهِ‏}‏ قَالَ‏:‏ أُصُولُهُ‏.‏

حَدَّثَنِي ابْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى، قَالَ‏:‏ ثَنَا ابْنُ ثَوْرٍ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ قَتَادَةَ وَالزُّهْرِيِّ ‏{‏فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ‏}‏ يَقُولُ‏:‏ فَتَلَاحَقَ‏.‏

حَدَّثَنِي يُونُسُ، قَالَ‏:‏ أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ‏:‏ قَالَ ابْنُ زَيْدٍ، فِي قَوْلِهِ ‏(‏فَآزَرَهُ‏)‏ اجْتَمَعَ ذَلِكَ فَالْتَفَتَ؛ قَالَ‏:‏ وَكَذَلِكَ الْمُؤْمِنُونَ خَرَجُوا وَهُمْ قَلِيلٌ ضُعَفَاءُ، فَلَمْ يَزَلِ اللَّهُ يَزِيدُ فِيهِمْ، وَيُؤَيِّدُهُمْ بِالْإِسْلَامِ، كَمَا أَيَّدَ هَذَا الزَّرْعَ بِأَوْلَادِهِ، فَآزَرَهُ، فَكَانَ مَثَلًا لِلْمُؤْمِنِينَ‏.‏

حَدَّثَنِي عَمْرُو بْنُ عَبْدِ الْحَمِيدِ، قَالَ‏:‏ ثَنَا مَرْوَانُ بْنُ مُعَاوِيَةَ، عَنْ جُوَيْبِرٍ، عَنِ الضَّحَّاكِ ‏{‏كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ‏}‏ يَقُولُ‏:‏ حَبُّ بُرٍّ نُثِرَ مُتَفَرِّقًا، فَتَنْبُتُ كُلُّ حَبَّةٍ وَاحِدَةٍ، ثُمَّ أَنْبَتَتْ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهَا، حَتَّى اسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ؛ قَالَ‏:‏ يَقُولُ‏:‏ كَانَ أَصْحَابُ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَلِيلًا ثُمَّ كَثُرُوا، ثُمَّ اسْتَغْلَظُوا ‏(‏لِيَغِيظَ‏)‏ اللَّهُ ‏(‏بِهِمُ الْكُفَّارَ‏)‏‏.‏

وَقَوْلُهُ ‏{‏يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ‏}‏ يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ‏:‏ يُعْجِبُ هَذَا الزَّرْعُ الَّذِي اسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ فِي تَمَامِهِ وَحُسْنِ نَبَاتِهِ، وَبُلُوغِهِ وَانْتِهَائِهِ الَّذِينَ زَرَعُوهُ ‏{‏لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ‏}‏ يَقُولُ‏:‏ فَكَذَلِكَ مَثَلُ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابِهِ، وَاجْتِمَاعِ عَدَدِهِمْ حَتَّى كَثُرُوا وَنَمَوْا، وَغَلُظَ أَمْرُهُمْ كَهَذَا الزَّرْعِ الَّذِي وَصَفَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ صِفَتَهُ، ثُمَّ قَالَ ‏{‏لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ‏}‏ فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى مَتْرُوكٍ مِنَ الْكَلَامِ، وَهُوَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى فَعَلَ ذَلِكَ بِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابِهِ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ‏.‏

وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ‏.‏

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ‏:‏

حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ، قَالَ‏:‏ ثَنِي أَبِي، قَالَ‏:‏ ثَنِي عَمِّي، قَالَ‏:‏ ثَنِي أَبِي، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ‏{‏لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ‏}‏ يَقُولُ اللَّهُ‏:‏ مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ زَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ، فَاسْتَغْلَظَ، فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ، حَتَّى بَلَغَ أَحْسَنَ النَّبَاتِ، يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ مِنْ كَثْرَتِهِ، وَحُسْنِ نَبَاتِهِ‏.‏

حَدَّثَنِي يُونُسُ، قَالَ‏:‏ أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ‏:‏ قَالَ ابْنُ زَيْدٍ، فِي قَوْلِهِ ‏{‏يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ‏}‏ قَالَ‏:‏ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ حُسْنُهُ ‏{‏لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ‏}‏ بِالْمُؤْمِنِينَ، لِكَثْرَتِهِمْ، فَهَذَا مَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ‏.‏

وَقَوْلُهُ ‏{‏وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا‏}‏ يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ‏:‏ وَعَدَ اللَّه الَّذِينَ صَدَقُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ ‏(‏وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ‏)‏ يَقُولُ‏:‏ وَعَمِلُوا بِمَا أَمَرَهُمُ اللَّهُ بِهِ مِنْ فَرَائِضِهِ الَّتِي أَوْجَبَهَا عَلَيْهِمْ‏.‏

وَقَوْلُهُ ‏(‏مِنْهُمْ‏)‏ يَعْنِي‏:‏ مِنَ الشَّطْءِ الَّذِي أَخْرَجَهُ الزَّرْعُ، وَهُمُ الدَّاخِلُونَ فِي الْإِسْلَامِ بَعْدَ الزَّرْعِ الَّذِي وَصَفَ رَبُّنَا تَبَارَكَ وَتَعَالَى صِفَتَهُ‏.‏ وَالْهَاءُ وَالْمِيمُ فِي قَوْلِهِ ‏(‏مِنْهُمْ‏)‏ عَائِدٌ عَلَى مَعْنَى الشَّطْءِ لَا عَلَى لَفْظِهِ، وَلِذَلِكَ جَمَعَ فَقِيلَ‏:‏ ‏"‏مِنْهُمْ‏"‏، وَلَمْ يَقُلْ ‏"‏مِنْهُ‏"‏‏.‏ وَإِنَّمَا جُمِعَ الشَّطْءُ لِأَنَّهُ أُرِيدَ بِهِ مَنْ يَدْخُلُ فِي دِينِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ بَعْدَ الْجَمَاعَةِ الَّذِينَ وَصَفَ اللَّهَ صِفَتَهُمْ بِقَوْلِهِ ‏{‏وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا‏}‏‏.‏

وَقَوْلُهُ ‏(‏وَمَغْفِرَةً‏)‏ يَعْنِي‏:‏ عَفْوًا عَمَّا مَضَى مِنْ ذُنُوبِهِمْ، وَسَيِّئِ أَعْمَالِهِمْ بِحُسْنِهَا‏.‏ وَقَوْلُهُ ‏(‏وَأَجْرًا عَظِيمًا‏)‏ يَعْنِي‏:‏ وَثَوَابًا جَزِيلًا وَذَلِكَ الْجَنَّةُ‏.‏

آخِرُ تَفْسِيرِ سُورَةِ الْفَتْحِ